الخميس، 17 أكتوبر 2019

كاترين وزايد.. قصّة حبّ تنتهى بمنفى

«هي قصّة تراجيدية واقعيّة، عشت مغامراتها سنة 1949، أحداثها حقيقية، لاتمتّ للخيال بأدنى صلة…» هكذا كتب زايد بوفلجة (1909-1993) في مقدّمة كتابه«ملحمة راهبة في الصّحراء» (دار دحلب، 1993). ويضيف صاحب الكتاب قائلا:«ضحايا هذه المأساة، وجلّ شهودها، لايزالون على قيد الحياة، سواء في الجزائر أو فرنسا». وقد أورد هذا التوضيح في الطبعة الأولى من الكتاب (لاسناد، 1982).

غلاف الكتاب

نحن الآن في عام 1949، في مدينة العين الصّفراء، جنوب غرب الجزائر، زايد بوفلجة (المؤلف) تعرّف على راهبة تدعى كاترين، يصف نقطة تحوّلها إلى عالم الرّهبنة، كما اعترفت له بنفسها كما يلي:«هي من مواليد 1908 في بولبال قرب لوهافر في فرنسا، حيث كان أبوها يشتغل موثقا، لما بلغت من العمر25 سنة، تعرّفت على شاب من طبقة اجتماعية فقيرة، أحبّته وقرّرت الزّواج منه، ولكن عندما تقدّم الشاب لطلب يد الفتاة من أبويها، رفضا بحجة وضعه الاجتماعي المزري، وسرعان ما شعر الشّاب بالإهانة ليلجأ إلى وحدة عسكرية أبعدته إلى السينغال، في حين قررت كاترين، محبطة، الانخراط في الرهبنة المسيحية، وهكذا وهبت نفسها إلى عزوبة الراهبات. الأمر الذي أثلج صدر والديها، اللذين لم يكن يهمهما سوى إشباع وهمهما الأناني».

ويواصل الكاتب نفسه سرد قصة الرّاهبة: «انضمّت إلى الأخوات البيض، اللّواتي كنّ يشكلن خاصيّة دينية مستقلة عن الرهبنة العليا بباريس، إذ ينتمين مباشرة إلى مؤسسة الفاتيكان، والذي تربطه بهن علاقة ما يسمى بالنذر الأبدي، الذي لايجب أن ينفصل إلا في حالات قاهرة جدا».

وبعد إتمامها للتّربص الابتدائي، الذي دام ثلاث سنوات، كرست كاترين نفسها  للشرعية الأبهة الكبيرة التي تتميّز بها الديانة الكاثوليكية. «إذ سرعان ما تمّ تعيينها، في البداية، ببئر مراد رايس، مقر بعثة الأخوات البيض في ضواحي الجزائر العاصمة». لم تمكث طويلا، يضيف الكاتب، وذات صباح توجّهت برفقة ثلاث أخوات أخريات من الجزائر إلى البليدة، حيث غيّرت القطار لتركب سكة ضيّقة في اتجاه الأغواط، بالجنوب الشرقي من البلاد، كان هذا السّفر محزن جدا لها، أجهشت بالبكاء كثيرا طوال الطريق بدون أن تعطي سببا، هل ندمت؟ يتساءل زايد بوفلجة، هل كان نتيجة فقدانها العطف الأبوي؟.«لاأحد يعرف السّبب ولا هي نفسها تعرف».

بقيت ثلاث سنوات في الأغواط، ثم انتقلت إلى مدينة العين الصفراء جنوب الغرب الجزائري، تحت إدارة الآباء البيض، الذين كانت مؤسستهم تتواجد وراء المدينة، حيث كُلفت بمهمة مساعدة الأطباء من الصباح إلى منتصف النّهار.

هناك في المستوصف بمدينة العين الصفراء، تعرّف زايد بوفلجة على الرّاهبة كاترين، التي أدهشته بتفانيها وإخلاصها في عملها الخيري، ودماثة خلقها، وصدق عطفها الذي كانت تبديها للسّكان الفقراء. وسرعان ما نسجت بينهما علاقات – قدّم المؤلف كثيرا من التفاصيل عنها – تطوّرت من الإعجاب إلى حبّ خفيّ، ولكنه صعب، إن لم يكن مستحيلا، ذلك أن الاشكالية، كما قال في كتابه«لاتتعلق بامرأة حرّة كباقي النّساء، وإنما تتعلق براهبة…». لتفاجئه بإجابة صريحة، عندما باح لها بحبه، ورغبته الصّادقة في الزواج منها، أجابته«أنها متزوّجة مع دينها»، ثم أضافت قائلة له: «توجد نساء كثيرات باستطاعتهن أن تصنعن سعادتي، على سبيل المثال وأشارت بأصبعها صوب سيدة اوروبية…»

وبعد أخذ ورد، وتلميحات، ولقاءات عابرة، يسرد تفاصيلها المؤلف، انتهى الأمر باستسلام كاترين لعواطفها الجياشة، ورغبتها في الانعتاق من قيود دينها، وهكذا رضخت للأمر الواقع وقرّرت الزّواج من زايد بوفلجة، مع شرط التّوجه إلى فرنسا لاستشارة عائلتها، بعد أن قبلت ما اشترطه عليها باعتناق الدّين الإسلامي، وبعد مراسيم الزّواج على الطريقة الاسلامية، بحضور أربعة شهود، في سرية تامة حتى لايكتشف أمرهما من السلطات الإدارية والدينية بالمدينة، وصلا أخيرا إلى باريس، وأرسلت المرأة الشّابة رسالتها الأولى لأبويها تطلب موافقتهما على الزواج ، في حين وجهت رسالة ثانية إلى المؤسسة المسيحية للأخوات البيض، في الجزائر العاصمة، تطلب من خلالها، فكّ ارتباطها الديني من المؤسسة، باعتبارها مقبلة على الزواج الممنوع في عرف المؤسسة.

بعدها يستعرض زايد، موقف والدها الرافض رفضا قاطعا استقبال ابنته وحقده الشديد على فعلتها، من جانب آخر، وكما كان متوقعا، رفضت المؤسسة الدينية التماس كاترين. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ تجنّدوا جميعهم، مدعومين من طرف الحاكم العام للجزائر آنذاك، ووزير الداخلية الفرنسي، للبحث عن الهاربة وإلقاء القبض عليها. ذلك أن مكمن الفضيحة – بحسبهم – كما كتب زايد بوفلجة «أن الرّاهبة لم تكتف – بجريمة – الزواج فقط، الممنوع لدى الراهبات، بل تزوّجت مسلما ولم تتزوج مسيحيا».هكذا اختطفت كاترين من طرف الشرطة الفرنسية في قلب باريس، في شهر جويلية 1949. لتبعث بعد ذلك الى إرسالية دينية مسيحية تقيم في أدغال افريقيا. وعلم زايد بعد عودته إلى العين الصفراء، بأنه تمّ طرده من عمله، وحاولوا مقاضاته، لينتهي به الأمر إلى المنفى.

كنيسة العين الصّفراء سابقًا

وقد أورد صاحب«ملحمة راهبة في الصّحراء»، في آخر الكتاب، بعض المواقف وردود الفعل التي صدرت من الصّحافة ومن المؤسسة الدينية آنذاك، ومن بينهم القسّ بروك بريجير من خلال كتاب ألّفه ويحمل عنوان«الباشاغا «، يقول فيه: «في عمق سكون الصيف الصحراوي، دوّى هذا الحادث كقصف الرعد، أشاعت الحادثة جوا من الغضب الشّديد، كل واحد كان يشعر بالحادثة كإهانة شخصية، ضربة قاضية للمجمّع الكنسي، لباسي الأبيض تلطخ بالإهانة، التي طالت الراهبات.. بن فلجة(يقصد زايد بوفلجة) خدع إله فرنسا.. ونحن جميعا كفرنسيين خدعنا ما دمنا هنا«.

الكتاب نفسه، بما يحويه من أحداث ووقائع تاريخية هامة، ذات الصّلة بقضايا السّاعة، لجدير بالقراءة والاهتمام، وبالتّالي يحتاج إلى إعادة طبع، بعد نفاذ نسخه، كما يحتاج إلى ترجمة أفضل. والجدير بالذّكر أن الكتاب تُرجم إلى العربية سنة 1984، من طرف بودواية بلحيا، وقد ألحق زايد بوفلجة مع الكتاب، مستندات ووثائق وشهادات، حول ردود الفعل المرافقة لأحداث قصته، وعلى رأسها شهادة جريدة«لوموند».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …