الإثنين، 27 مايو 2019

5 جويلية الشعب… تلك الخدعة الكبرى!

امرأة تلبس الحايك، برفقة طفلين، وفي الخلفية كُتب على الحائط بالفرنسية«بطل وحيد، الشعب». كان ذلك في صيف 1962، صيف الاستقلال، والحاج العنقى يغني«حمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا!»، مُعظّماً هذا«الشّعب»الذي عانى وضحى لمدّة قرن وثلاثين سنة كبرى التّضحيات من أجل الاستقلال… ورغم ذلك…

من صيف 1962

هذا الشّعب الذي نراه في خطابات السّياسييين كلمة مجرّدة، مفرغة من كل معنى، نسمعها منذ 53 سنة تُخاطب كُتلة من النّاس، كتلة يَفترِضُ المُتحدّث أنّها:متجانسة، متشابهة، غير مختلفة… كُتلة يعظّمها السياسي لأنّه هو الذي صنعها، ويوهم «السّكّان» أو«الغاشي» أنّهم كذلك (ومن هنا أيضاً وُلِد فينا كره الاختلاف، والنّزوع نحو لون موّحد لجميع النّاس على كل المستويات) كُتلة إذاً، تنكسِر سوياً، وتفرح سوياً، وتصرخُ «وان، تو، ثري» سوياً… كُتلة تُخاطبها السّلطة بمنطق أبويّ، فالسّلطة الحكيمة الأبوية تُخاطب«الشّعب»الابن الذي لم ينضج بعد، والذي لا يعرف كيف يتخذّ قراراً، والشّعب الذي لا يزال تحت الوصاية، والذي قيل له«أنت البطل»(C’est toi le HEROS) لكن… لاتطمح إلى غير ذلك.

قد ندخل في تعريفات لاتنتهي لكلمة الشّعب، تلك الكلمة التي ورثناها من السّلطة وصار الجزائري العادي يستعملها ليل نهار ليدلّ على«كلّ من هم لاينتمون إلى السّلطة» أو«كل الزواولة» أو… كلّ حسب مدى فهمه، تماماً كما نسمي كل ما ينتمي للسلطة ﺒ«الدولة» سواء سياسيين أوشرطة أوجيش…  وأنا غالباً ما أضبط نفسي مع أصدقاء عرب أستعمل كلمة «الشّعب»عند الكلام عن الجزائريين، فيستفسرُ منّي السامع فأراجع نفسي…

هكذا إذا ورِثنا الكلِمة !

المُؤلم أكثر من هذا الوِرث، هو البُكائيات الكُبرى على جُدران الفايسبوك، بما أننا لم نعد نقرأ في الصّحف إلاّ أمرين اثنين: تمجيد وتخليد للذكرى بلامُسائلات، أو«كشفٌ»للحقائق المخفية(هل بقي شيءٌ مخفي فعلاً؟) البكائيات على الفايسبوك، التي تنشر أغانٍ وصوراً(غالباً صورة المرأة بالحايك وعبارة «بطل وحيد، الشعب» ربما لأنّها تعطي نوعاً من الثأر لأنّها تعترف بمنجز هذا«الشعب» وتُرفق بهذه المناشير تلك العبارة الموحّدة: أيام ما كانت هنالك أحلامٌ كبرى لهذه البلاد! كلّ هؤلاء النّاس، الذين وُلدوا في الثمانينيات والتسعينيات «يحتفلون» بعيد الاستقلال على الإنترنت، في الفضاء حيث اكتشفوا الرواية الحقيقية للتاريخ غير تلك التي درسوها في المدارس وعلى التلفزيون… التلفزيون! والراديو أيضاً… حيث لايزال إلى اليوم يؤتى بفنانين شباب يتم «إدخالهم للحظيرة»، ومقابل الظّهور طيلة العام، يأتون بهم في المناسبات ليغنوا«من جبالنا.. » و«من أجلك عشنا يا وطني.. »… هذه هي الوطنية بالنسبة لهم، إعادة تدوير القديم حتى وإن صار لايمسّ النّاس، إعادة تدوير أغانٍ وشعارات عمرها 53 عاماً، هذه هي ثورة نوفمبر بالنسبة لهم… لحظة ثابتة وليست «صيرورة» (un devenir) متواصلة، كأنّ لامكان لنا فيها… نحن أولاد «الشعب» الذي نُفخ ككرة قدم تتقاذفه السّنوات.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد. حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 …