الأحد، 16 يونيو 2019

الخطّ العثماني.. محاولة لفهم لغز عمره أربعة عشر قرنا!(ج2)

رشيد فيلالي

الكتابة اليابانية

المثال الثّاني الذي اخترناه لتوضيح أكثر الجوانب الغامضة في معضلة الكتابة العربية القديمة والخطّ العثماني تحديدا هو الكتابة اليابانية.

إن تاريخ هذه الكتابة يشبه إلى حد بعيد تاريخ تطور الكتابة العربية ويتزامن معه تقريبا، لأن اليابانيين الذين لايملكون نظام كتابة خاص بلغتهم، كانوا قد استعاروا رموز الكتابة الصّينية في القرن الرّابع الميلادي في عهد الإمبراطور «ياماتو» (اللغة العربية استعارت نظام الكتابة الآرامية – النبطية في نفس التاريخ تقريبا).

ويرجح أن أقدم نصّ ياباني كان من كتابة مبعوثين مزدوجي اللّغة من الصّين أوكوريا إلى بلاط هذا الإمبراطور، وفي البداية لم يكن كُتّاب البلاط يوظّفون رموز الكتابة الصّينية لكتابة اللغة اليابانية، بل فقط لنقل النّصوص الكلاسيكية الصّينية والمراسلات بين البلدين، لكن هناك إشكالية عويصة لم تكن موضوعة في الحسبان، حيث تبنى اليابانيون الكتابة الصينية التي هي في الأصل لا تتفق وطبيعة لغتهم، تماما مثلما فعل الأتراك مع الكتابة اللاتينية التي اضطروا إلى وضع علامات إضافية للتّعبير عن أصوات غير موجودة في الأبجدية اللاتينية، ومعروف أن اللغة اليابانية تختلف عن اللغة الصينية مثلما تختلف التركية عن الإنجليزية، حيث إن الصينية تنطق وفق أربع نبرات(TONES)، في حين أن اليابانية لا توجد بها هذه الخاصية الصوتية، الأمر الذي دفعهم إلى اختراع أدوات تشكيل إضافية لتناسب وتترجم الأصوات اليابانية بدقة(ومع ذلك يبقى النّجاح في هذا المجال نسبيا)، وللتوضيح أكثر سنقدم عرضا سريعا عن نظام الكتابة اليابانية، وفي البداية نشير إلى أن اللغة اليابانية تكتب بأربع«أبجديات»إن صحّ التعبير وهي:الهيراغانا(الأبجدية الناعمة) والكاتاكانا(الأبجدية المجزأة) والرومانجي(الأبجدية اللاتينية) والكانجي(الأبجدية الصينية) وأبجدية الهيراغانا المتكونة من 46 حرفا سهلة نسبيا ويتم بها تعليم الأطفال الصّغار والمتعلمين الأجانب، وهي انسيابية وهذا سبب تسميتها بالناعمة، وأبجدية الكاتاكانا التي تتكوّن هي أيضا من 46 حرفا تختصّ بنطق الكلمات الأجنبية، أما أبجدية الرومانجي فهي كما يدلّ عليه اسمها أبجدية رومانية(رومان تعني اللاتينية وجي –الحرف) أما الكانجي فهي الأبجدية الصينية (كان تعني الصينية، وجي – الحرف) وهي في الحقيقة ليست أبجدية، كما توحي هذه الكلمة، إذ أنها عبارة عن أشكال ورموز يبلغ عددها اليوم 2136 رمز وتسمى جويو كانجي(jōyō kanji) وهذه الرّموز التي استعيرت من الكتابة الصينية(التي عدد أشكالها من 40 إلى 50 ألفا!) تم إفراغها من نطقها الأصلي لتستعمل في نطق الكلمات اليابانية، لكن كي يلتزم اليابانيون بنطقهم اللّغوي الخاصّ قاموا بوضع رموز أبجدية الهيراغانا على أو جنب رموز الكانجي، من أجل إرشاد المتكلم، وهو نظام يطلق عليه مصطلح الفوريغانا ويشبه جدًا أدوات الشّكل العربية (أنظر الصورة المرفقة) وهذا ما نجده عادة في كتب أشرطة الرسوم المتحركة«المونغا»أو قصص الأطفال وكتب تعلم اللغة اليابانية للأجانب.

كتابة الكانجي مشكولة بالهيراغانا
صفحتان من رواية يابانية مكتوبة بالخطوط اليابانية الأربعة !

الكتابة الإنجليزية

لنأخذ مثالا ثالثا لايقل أهمية عن سابقيه وفي السّياق ذاته دائما وهو تبيان مدى البون بين الكتابة واللغة المنطوقة، اخترنا هذه المرة الحديث عن اللّغة الإنجليزية التي نؤكد ما هو شائع عنها ومعروف لدى جميع المتحدثين بها، وهي كونها لغة لاتنطق كما تكتب، وهذا في الحقيقة يرجع أساسا إلى أن الأبجدية اللاتينية تبناها الإنجليز مع دخول المسيحية إلى بلادهم عام 597 حيث فيما بعد وقع المتحدّثون بها في تذبذب كبير، نظرا لكون عدد حروف هذه الأبجدية23 حرفا و أصوات اللّغة الإنكليزية عددها 35 حرفا، ولتجنب هذا التفاوت الكبير تمّ اللّجوء إلى وضع حرفين للتّعبير عن صوت واحد، على غرارch، sh، th، gh، إلخ. وابتداء من القرن الخامس عشر وإلى غاية القرن السّابع عشر، أي مرحلة النهضة الأوروبية، كانت الميول السائدة آنذاك وبقوة، هي العودة إلى الكتابة اللاتينية القديمة والتقيّد بها، الأمر الذي يفسر كتابة بعض الكلمات بحروف صامتة مثل:Castle; often; island; debt; indict، فكلمة«debt» مثلا كانت تكتب في القرن الرابع عشر det أو dette كما تنطق، لكن تأثرا باللاتينية صارت تكتب وفق الأصل اللاتيني وهو«debitum» وكلمة«indict» كانت تكتب في القرن الثالث عشر «endyte»أو «endite»، أي  كما تنطق، ثم ابتداء من القرن السّادس عشر صارت تكتب أيضا وفق الأصل اللاتيني indictare، أي بالاحتفاظ بحرف«C»رغم عدم نطقه و.. الغريب في الأمر ما حدث مع  كلمات عديدة مثل كلمة colonel التي تعني العقيد في الجيش ومعلوم أن هذه الكلمة تنطق في الإنجليزية بطريقة غريبة«كورونيل»! وهذا النّطق الشّاذ يعود إلى كون هذه الكلمة عندما دخلت الإنجليزية في القرن السادس عشر جاءت عن طريق الفرنسية، التي كانت تكتب وتنطق هكذا(coronel)في ذلك الحين، كما اقترضت الإنجليزية وفي الفترة نفسها عن الإيطالية هذه المرّة الكلمة ذاتها بكتابة ونطق مختلف«colonello»، لكن عند الاستعمال احتفظ الإنجليز بالنطق الفرنسي(القديم) وبالكتابة الإيطالية! الأمر الذي يفسّر الاختلاف في نطق وكتابة هذه الكلمة العجيبة.

الإنجليزية لغة لاتنطق كما تكتب

محاولة لفهم الخط العثماني!

بعد المقارنات السّالفة حول طبيعة تطوّر اللّغات كتابة ونطقا، نأتي الآن إلى لبّ مقصدنا في هذه الدراسة، ونحاول تقديم خلاصة لما سبق من عرض شامل حول كل ما له علاقة بلغز الخطّ العثماني، بدءا بتاريخ الكتابة العربية وعملية جمع القرآن وكتابته من طرف الصّحابة رضوان الله عليهم وكذا رأي عائشة رضي الله عنها في كتابة القرآن، فضلا عن عرض مقارنة لغوية بين الإملاء العربية وإملاء بعض اللغات الأجنبية، وفي ما يلي تذكير بأهم النتائج التي توصلنا إليها في دراستنا، حيث نؤكد بالقول مجددا أنه عندما شرع كتبة الوحي في أداء عملهم كانت الإملاء العربية آنذاك لاتخضع لقواعد ثابتة ومعيارية يحتكم إليها في صحة أوخطأ النصّ المدوّن، وقد كان الصّحابة القائمون بهذه المهمة يتبعون الجانب الصوتي في كتابة الكلمة، وكل واحد منهم يجتهد حسب قدراته وإمكاناته التقنية/الفنية ومستواه العلمي ورصيده اللّغوي وجودة صنعته ومستوى تكوينه في اختيار طريقة الكتابة، وهذا ما يفسر منطقيا وجود ذلك التباين الكبير بين كتابة نفس الكلمة بطرق مختلفة على اعتبار أن مفهوم«الإملاء الموحد» ضمن قاعدة ثابتة يلتزم بها الجميع، لم يكن قد ترسخ بعد في الأذهان والاستعمال وقد كان تدخل عثمان رضي الله عنه محدودا جدا في تعديل بعض الكلمات من حيث طريقة كتابتها، وللأسباب المذكورة، فإننا نجد على سبيل المثال آية (يوم يدعُ الداع)(القمر 54/6)  كتبت بدون إشباع المدّ، وكلمة(بسطة) في سورة البقرة كتبت(بصطة) في سورة الأعراف، وكلمة العلماء كتبت كما هو شائع الآن، كما كتبت التزاما بجانبها الصوتي هكذا«العلماؤا» ونفس الشّيء يقال حول كلمات نبؤا، الملؤا، أتوكؤا(نبأ، الملأ، أتوكأ)..  وثمة أمثلة أخرى كثيرة لتوضيح كلامنا جيدا، ولنختار كلمة«ذنب»هذه الكلمة شاع الآن كتابتها بهذه الطريقة المتفق عليها، لكن في زمن كتابة الوحي (ربما) كانت ستكتب هذه الكلمة بطرق مختلف، ولاسيما عند الالتزام بجانبها الهجائي أكثر من الخطّي، إذ تكتب في هذه الحالة بطريقة صوتية هكذا«ذمبُون!» أو«ذنبون»، «ذمبن»، «ذامبون»، وهناك قضية الاختلاف في كتابة كلمة تابوت بالتاء المربوطة أم بالتاء المفتوحة، و التي أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه بكتابتها بالتاء المفتوحة على لغة قريش، وفي تصوّرنا أن هذا الصحابي الجليل اتبع  طريقة نطق الكلمة في كتابتها، لأن أصل الكلمة عبراني وهي تنطق بحرف هاء«تابوه»، و كلمة الأقصى كتبت بالألف الأقصا(الإسراء)(17/1) وهناك كلمات كتبت بالواو بدل ألف المد مثل: الصلوة، الزكوة، الربوا مشكوة، الغدوة، إلخ.

و في تحليلنا إن سرّ كتابة هذه الكلمات بحرف الواو ، يعود إلى فرضيتين هما:

أن الواو في هذه الكلمات مجرد حرف «زينة وزخرفة» ولاوظيفة صوتية له أوأنه حرف مدّ يطابق في وظيفته حرف ألف المد أوالألف المقصورة، ألم نكتب«على» و«بلى» بالألف مقصورة بدل ألف المد هكذا«علا وبلا»؟

والفرضية الثانية هي أن الواو في هذه الكلمات تمثل صيغة لهجية قديمة ومترسّبة، ظلت تستعمل في الكتابة لكنها زالت من ناحية التهجئة، شأنها في ذلك شأن الكثير من الكلمات العربية التي ننطقها ولانكتبها أونكتبها ولاننطقها مثل:(أولئك، هؤلاء، هذا، لكن، وألف الجمع كتبوا، ونون التنوين، إلخ. وفي الإدغام الصّغير والكبير).. ومن هنا نؤكد على أن  تغير النّطق وتطوّره على هذا النحو هو استجابة لقانون معروف في تاريخ اللغات، واللغة العربية طبعا ليست حكرا في هذا الجانب، والصحابة رضوان الله عليهم اجتهدوا كل حسب نصيبه من العلم والتكوين في كتابة النص القرآني الذي بلغ قمة جماليات التعبير وبلاغته بأمانة متناهية، طبعا  فعلوا ذلك على ضوء مراجعة الرسول صل الله عليه وسلم الذي كان جبريل عليه السّلام يعرض عليه كامل القرآن كل سنة وفي سنة رحيله عرض عليه القرآن مرتين، والقول نفسه ينطبق على كلمات عديدة نجدها تكتب بطرق مختلفة في النص القرآني، حيث أحيانا تثبت ألف المد في وسط الكلمة وأحيانا تحذف نهائيا وأحيانا تزاد بغير تعليل واضح، وإذا أضفنا لهذه الإشكالات غياب التّنقيط والضّبط وكتابة العديد من الحروف بنفس الشّكل رغم اختلاف أصواتها فإننا نعلم جيدا طبيعة اللّغز الذي حيّر العلماء في هذا الجانب، ولنقدم مثالا آخر وهذه المرة حول وجود تهجئة مختلفة للكلمة الواحدة رغم كتابتها بنفس الحروف والشكل!  لنأخذ مثلا كلمة«دَرَسَ» هذه الكلمة إذا نطقناها بالتّخفيف نستعملها كما في قاموس الفلاحة«الحصاد والدرس» أما إذا نطقناها بشكل عادي فهي تعني التحصيل العلمي، والمثير في النص القرآني أنه كما هو معروف أنزل وفق رخصة الحروف السّبعة وهذا يعني أن القرآن عند تدوينه التزم بكتابته وفق حرف واحد(قد تتعدد أصواته بحسب اللّهجات العربية)، غير أن تعدد اللهجات العربية وأساليب النطق والتلفظ والتهجئة من قبيلة إلى أخرى، وثبوت وجود لهجات عربية عديدة في النّص القرآني كل هذا أوجد قاعدة الالتزام بقراءات القرآن الصّحيحة التي لاتخرج عن ثلاثة شروط هي: «موافقة القراءة للعربية ولو بوجه، موافقة الرسم العثماني ولو احتمالا، وأن تكون القراءة صحيحة السّند». (هناك سبع قراءات حسب ابن مجاهد أشهر العلماء الذين بحثوا في هذا الجانب، وما يزيد عن 25 قراءة مختلفة منها الشاذ طبعا)(تاريخ القرآن د. عبد الصبور شاهين).

سورة المائدة

بناء على ما سبق يمكن أن نشير أيضا إلى جانب هام وجوهري في ما يخصّ عظمة القرآن الكريم، إذ إضافة إلى قيمته التشريعية والعقائدية طبعا، يعتبر الآن وثيقة لغوية في منتهى الأهمية، كونه احتفظ بكل أطوار نمو اللغة العربية الفصحى وبدقة رائعة، لم تترك لا كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها وهو من هذا الجانب يقدّم خدمات أكاديمية جليلة جدا لدارسي اللسانيات واللغة كظاهرة بشرية معقدة  وصعب الإحاطة بها .

هناك حقيقة أخرى توصلنا إليها من خلال بحثنا حول لغز الخط العثماني، وهي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الذي شكّل اللّجنة التي أشرفت على كتابة المصحف الشريف ومعروف أن عثمان رضي الله عنه رغم معرفته للكتابة لم يشارك في كتابة المصحف وأوكل الأمر للأكثر منه تمكنا من الصحابة رغم معرفته بالقرآن الكريم وإجادته للكتابة، شأنه في ذلك شأن عبد الله بن مسعود(الذي غضب لذلك قبل أن يسلم بالأمر الواقع، وكان يقرأ بلهجة هذيل التي تنطق حتى عتى)، وحتى لو أن عثمان رضي الله عنه شارك في كتابة المصحف فإنه قطعا سيكتب على نفس المنوال الذي كتب عليه المصحف«الإمام»الذي أشرف على جمعه وكتابته، لماذا؟ للسبب نفسه الذي ذكرناه، وهو أن الكتابة العربية لم يتم بعد في ذلك الحين وضع قواعد إملائية ثابتة ومتفق عليها، ومن يلقي نظرة على أحد النقوش العربية التي تم العثور عليها في الزبداني في سورية والمؤرخة في القرن السّادس ميلادي سيتأكد بما لايدع مجالا للشّك أن الكتابة العربية في زمن كتابة المصحف كانت بدائية لا يضبطها ضابط معياري وقياسي، الأمر الذي كما قلنا يفسر ظاهرة اختلاف كتابة كلمات القرآن على النّحو الذي نشهده في المصحف العثماني، ولهذه الظّاهرة في الحقيقة فائدتها وحكمتها الربانية العظيمة، وهي أن اللّغة العربية(وسائر اللغات) كما قلنا تنمو ببطء شديد من ناحية الكتابة وتعرف تغييرات مختلفة، ولاسيما بعد دخول غير الناطقين باللغة العربية إلى الإسلام وقراءتهم القرآن بنطقهم المعتاد وعدم قدرتهم على تهجئة عدد من الحروف العربية مثل حرف العين والقاف والضاد وغيرها، وهذا ما يدخل في حكمة الحروف السّبعة، وقد رأينا أن الكثير من اللغات التي تبنت الأبجدية العربية أضافت حروفا وضوابط أخرى لكي تصبح قادرة على نطق أصوات لغتهم غير الموجودة في الحروف العربية وهذه الإضافات تصل إلى حوالي 30 حرفا!..  وطبعا لا تجوز العبادات بغير القراءة الصحيحة والمتواترة للقرآن الكريم وفق القراءات السبع التي جمعها ابن مجاهد ونبذ غير الملتزم بالشروط الثلاثة التي اتفق عليها الصحابة صونا للقرآن من أي تشويه أوعبث أو تحريف ولو أن الصحابة غيّروا الخطّ العثماني تماشيا مع التطور اللغوي الذي عرفته اللغة العربية فيما بعد، فإن القرآن كان سيقرأ وفق الحرف المكتوب وليس بالمعنى كما هو الحال مع الخط العثماني، ولهذا سلبياته الخطيرة، حيث تتطور القراءة وتتشعب مع تطور نوع الكتابة ويتشتت«فحوى القرآن وجوهره» ويغدو كتابا سطحيا عاديا فاقدا لجانبه السامي المقدس.

سورة الإسراء

هناك شيء آخر يجب أن نركز الحديث حوله، وهو أن صفحة المصحف العثماني بها 28 سطرا(المصحف العادي 15 سطرا) وهو ما يعني أنه كان كبير الحجم(هناك مصاحف تنسب للصّحابي الجليل محفوظة في المتاحف وتبدو ذات حجم كبير) ويرجح أيضا أن المصاحف كتبت بالمداد على الكاغد الذي يتم جلبه من خرسان، وقيل أن المصاحف الخمسة التي أرسلت إلى المدينة ومكة والشام والكوفة والبصرة ومع كل مصحف صحابي قارئ يعلمهم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم وطبعا تلك المصاحف مع الوقت تكاثرت نسخها المكتوبة وهو ما يفسر محاولة «تصحيح» بعض المصاحف لما ورد من كتابات صوتية في مصحف عثمان، ومن جهة أخرى نلاحظ أن المصاحف الخمسة كلها كانت مكتوبة على الكاغد ويقال أن مصحف عثمان الذي تم الاحتفاظ به كان حسب بعض الروايات مكتوب على رق الغزال وهذا في رأينا مستبعد وغير صحيح لكون الرق أوالجلد عندما يتقادم به الزمن يصبح نتنَ الرائحة حتى أن مجلدات الجلود من نتانتها«تعمي الأبصار» كما قال بذلك الجاحظ. وقد يكون عثمان رضي الله عنه على دراية بهذه الحقيقة وتجنّب الوقوع فيها، وهل تراه يختار المصاحف الأخرى من ورق لكتابة كلام الله ثم يختار رق الغزال لكتابة المصحف الذي سيحتفظ به في دار الخلافة الراشدة ؟ و من الأفضل أيضا في السياق ذاته ذكر الإشارة المهمة التي نبّه لها الجاحظ في رسائله أيضا والتي اعترض فيها على تسمية الكتب المجلدة ﺒ«المُصحف»حيث أكد أن ذلك من المفروض أن يقتصر على القرآن الكريم فقط، مثلما فعل السّلف الصّالح وليس على سائر الكتب الأخرى، وقد كان لملاحظة الجاحظ وقعها الطّيب وصارت كلمة «مُصحف» تطلق على القرآن الكريم فقط دون غيره من الكتب.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …