الأحد، 9 أغسطس 2020

شرشال في رمضان.. التّاريخ في مواجهة التّطرف

أنور رحماني

شرشال، أو «روما الصّغيرة»، مدينة الآثار والفنون، حاضنة الأمازيغ (شنوة)، وأحفاد الموريسكييين، والأتراك، والأقليتين اليهودية السفاردية والكاثوليكية، تعيش شهر رمضان، من كلّ عام، كما لو أنه ولادة جديدة لحياة كوسمبوليتية.

شرشال أو«روما الصّغيرة»

للشّهر الكريم خصوصياته، في هذه المدينة التي تعتبر واحدة من أقدم حواضر الأبيض المتوسط، حيث مايزال يُحتفى به بكل وفاء لتقاليد السّابقين، على الرّغم من التّغيّرات التي مست تركيبة شرشال السّكانية، خصوصا مع سنوات التسعينيات، وتكثف هجرات داخلية إليها، مما وضعها في مواجهة حساسيات جديدة، وفي صدام مع نموّ خطاب ديني متطرّف محدود، لم تكن تعرفه من قبل.

على قدر ما يتمسّك أهل المدينة بتنشئتهم المحافظة، فهم يبدون انفتاحا محترما في تفاعلهم مع الثّقافات المختلفة، فنسبة الأميّة في المدينة تنخفض إلى نسب دنيا، لتكاد تنعدم فيها، في مقابل إرتفاع في أعداد الناشطين في المجال الفنّي، ليصل إلى قرابة ثلاثين بالمئة من السّكان(ينخرطون خصوصا في مجالات الموسيقى والرّسم والنّحت).

يستقبل الشرشاليون رمضان، بفترة أسابيع قبل وصوله، بتحضير البيت، مع إعادة دهنه وشراء أغراض منزلية جديدة، ومنذ اليوم الأول، تتزيّن المائدة في الإفطار بالشربة المقطفة أوشربة فريك، بالإضافة إلى بطاطا كوشة، وهي الطّبق الأول الذي يوضع على المائدة.

كما هو الحال في مدن جزائرية أخرى، تحتل الأطباق التقليدية نصيب الأسد من اهتمامات العائلة في شهر الصّيام، ولاتنافسها في المائدة سوى بعض الأكلات البحرية، التي تعتبر جزءا أساسيا من المنظومة الغذائية الذي تعوّد عليها القاطن بشرشال، وبكل منطقة شنوة في ولاية تيبازة.

في المساء، يسهر الشباب، في شوارع المدينة، إلى غاية ساعة الإمساك، يتجوّلون في وسط المدينة الصّغير، وينشط بعض منهم في حملات تحسيسية ضد التبذير أو في جمعيات بيئية، والتي زاد عددها في المدينة، مثل «جميعة مارينوستروم» و«جميعة بارومبرا» وغيرها.

تسبح شرشال في رمضان في جلسات الموسيقى الأندلسية

العنصر النسوي له نصيب من السهرات، والمجتع المحلي يحترم المرأة ويوليها اهتماما، لذا من الطّبيعي أن نشاهد فتيات وهنّ يشاركن شبابًا في سهراتهم أوفي الأعمال التطوعية.

المفطرون في رمضان يواصلون حياتهم ويومياتهم في جوّ من التسامح، يفضلون، في الغالب، قضاء يومهم في الشواطئء، مع احترام للصّائمين، ويفعل الصّائمون الشّيء نفسه معهم، على الرّغم من بروز نزعة تضييقية على حرياتهم الشّخصية، طفت على السّطح، في السّنوات الأخيرة، لكنها لم تجد أرضية صلبة تتوسّع فيها.

بعض المفطرين يفضلون الذهاب للشواطئ

الشخصية الشرشالية شخصية ترثارة، تميل للكلام الكثير وللغمز واللمز واللغو، لكنها متسامحة وغير عنيفة في تفاعلها مع الاختلاف، تتقبّل الجميع (بما فيهم المثليين)، وتتعامل مع الأفراد بإنسانية أعلى مما قد نجده في مناطق أخرى من البلاد.

كون مدينة شرشال تحتضن أكبر أكاديمية عسكرية في أفريقيا، وثالث أكبر أكاديمية عسكرية في العالم، فإن الطلبة، من جنود وقادة، من جزائريين وغير جزائريين، يحملون إليها بعضا من تقاليدهم، ويتقاسموها مع أبناء البلدة، فهنا كلّ الولايات حاضرة بعاداتها وأصالتها، مما يجعل من شرشال، على صغر مساحتها، قوس قزح بشري، يجمع العالم المسلم كلّه تحت سماء واحدة، وفي بقعة مفتوحة على التّعايش.

من جهتهم، يندمج المسيحيون واليهود، على قلة أعدادهم، مع مواطنيهم من المسلمين، في الخصوصيات الرّمضانية، ويحتفلون معهم بالشّهر الفضيل، في بعض الموائد الإفطارية، والنشاطات الترفيهية التي تُقام بعد الإفطار، حيث يتمّ الاحتفال بختان الأطفال في ليلة السّابع والعشرين من رمضان من كلّ سنة، هكذا يحتفل سكان المدينة، من مسلمين وغير مسلمين، بختان جماعي للأطفال في «ليلة القدر».

تسبح شرشال، طيلة ليالي الشهر، في جلسات الموسيقى الأندلسية، التي تقيمها جمعيات محلية، على رأسها «جمعية الرّاشدية»، التي تعتبر أقدم جمعية متخصّصة في هذا النوع من الموسيقي في شمال أفريقيا، بالإضافة  إلى «جمعية القيصرية» التي حازت عدة جوائز على الصّعيدين الوطني والدّولي، وكذا جمعية «نسيم الصّباح» وغيرها.

البوقالة هي واحدة من العادات المتعارف عليها في مساءات رمضان، وتكون في مجملها بوقالات عن الحبّ والعلاقات الغرامية حيث يولي سكان شرشال والمنطقة المجاورة ككل أهمية بالغة للحياة العاطفية، بشكل يجعلهم في تناغم مع بيئتهم الفنية والثقافية.

استهداف الآثار في شرشال

كانت شرشال دائما، طيلة تاريخها القديم والحديث، مركزا للانفتاح وللتعايش مع الآخر، لكن هذا التعايش اليوم بات مهددًا بسبب ظهور أفكار تطرفية أصبحت تحاول أن تخلخل نظام المدينة العام، وصارت آثار المدينة الرومانية مهدّدة من المدّ التكفيري، فهل سيبقى رمضان المدينة شرشاليا، وفيًا لروح الأجداد؟، أم أنهم سيسرقونه منها مثل سرقوا بعض الأيقونة التاريخية التي هدمت على يدّ أشخاص لم يستوعبوا لاسماحة الدّين ولاعراقة التّاريخ؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …