الأحد، 16 يونيو 2019

حياة أخرى في «عيون الحرامية»

 

محمد علاوة حاجي

خلال عرضه بوهران، ضمن مهرجانها الدّولي للفيلم العربي(جوان 2015)، وقبل ذلك بالجزائر العاصمة ضمن مهرجان الفيلم الملتزم(ديسمبر 2014)؛ قدّم الفيلم الرّوائي الطويل«عيون الحرامية»، للمخرجة الفلسطينيّة نجوى النجّار، الفنّانة سعاد ماسي للجمهور الجزائري كممثّلة سينمائيّة، بعد أن عرفها كمطربة، استطاعت أن تصنع لنفسها أسلوبًا، لاينازعها فيها أحد، منذ ألبومها الأوّل«الرّاوي»(2001).

تواصل المناضلة والمخرجة نجوى النجّار الحفر في قضيّتها الأساسيّة التي تشتغل عليها سينمائيًّا منذ 1999؛ حين قدّمت فيلمها الوثائقي«نعيم وعديلة»، الذي روت فيه قصّتها الشخصيّة وقصّة عائلتها التي تمّ ترحيلها من مدينة يافا في العام 1948، من قِبل عصابات صهيونيّة.

وقبل أن تقدّم فيلمها الروائي الطويل الأوّل«المرّ والرمّان»(2010)، أخرجت النجّار فيلمين روائيين قصيرين، هما«جوهرة السّلوان» و«حكاية ولد اسمه محمّد».

وفي فيلمها الأخير«عيون الحراميّة»(2014)؛ تكمل النجّار سلسلة أعمالها المكرّسة للقضيّة الفلسطينيّة، ضمن ما يُمكن تسميته بـ«السّينما الملتزمة»، من خلال قصص تلامس الإنسان ومشاعره وهمومه اليوميّة، بعيدًا عن الخطابة والتكرار والتقريريّة، فعدالة القضية وحدها لاتكفي لصناعة سينما جيّدة.

يتّخذ الفيلم (إنتاج مشترك، فلسطيني – جزائري) من الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلّة خلفيّة لقصّة حبّ، بطلاها مناضلٌ فلسطيني يخرج من السّجن وينخرط في رحلة البحث عن ابنته المفقودة، وامرأة فلسطينيّة من أمّ جزائريّة.

يستمدّ الفيلم عنوانه، وجانبًا من أحداثه، من قصّة حقيقية وهي عمليّة فدائيّة قام بها الشاب الفلسطيني ثائر حمّاد السوادي، في ذروة الانتفاضة الفلسطينية(2002)، في وادي عيون الحرامية(شمال رام الله)، قتل فيها 11 جنديًّا ومستوطنًا إسرائيليًّا، وجرح 9 آخرين، بإطلاق 24 رصاصة من بندقية قديمة تعود إلى أيّام الحرب العالميّة الثانية(من نوع ماوزر)، قبل أن ينسحب بسلام، ويُلقى عليه القبض بعد عامين من الواقعة ذاتها.

تبدو عمليّة وادي الحرامية مغرية سينمائيًّا. لكن نجوى النجّار تنطلق من هذه الحادثة التي أربكت قوّات الاحتلال الإسرائيلي، دون أن تجعل منها موضوعًا لثاني أفلامها الروائيّة الطويلة؛ فهي لا تصوّر العمليّة، ولاتعرض الظّروف المحيطة بها ولاالأسباب التي أدّت إلى تنفيذها، بل تتبّع خطوات«طارق»(خالد أبو النجا) بعد خروجه من السّجن الذي قضى فيه عشر سنوات، ومشوار بحثه عن ابنته التي يكتشف، بالصّدفة، أنّ خيّاطة عزباء تُدعى ليلى(سعاد ماسي)قامت بتبنّيها.

انطلاقًا من هذا الخيار الإخراجي، يبدو واضحًا أن النجّار فضّلت معانقة الجانب الإنساني وملامسة المشاعر والعواطف في فيلمها، من خلال التّركيز على قصّة مؤثّرة لأب يبحث عن ابنته، بعد خروجه من السّجن، وليس على قصّة مناضل يقوم بعمليّة فدائية ويتمّ اعتقاله.

من الفيلم

من هنا، ربّما نفهم اختيار خالد أبو النجا(1966-) لتجسيد شخصيّة«طارق»؛ فقد عُرف الممثّل المصري بنشاطه السّياسي وانحيازه لقضايا الحريّة والديمقراطية والعدالة الاجتماعيّة في بلده، ما يعني وجود التقاء بين الممثّل والدّور التي يقوم به، عند جزئيّة النّضال.

وإذا أضفنا إلى ذلك كون خالد أبو النجا ناشطًا في مجالي حقوق الإنسان وحقوق الأطّفل وسفيرًا للنّوايا الحسنة لدى منظمّة«يونيسيف» مصر(2007)، فإن تلك الميزة، ولاشكّ، ستضفي على شخصيته زخمًا من الأحاسيس التي يتطلّبها دور أب يبحث عن ابنته.

لا يقدّم«عيون الحرامية»معلومات وتفاصيل كثيرة عن بطل العمل سوى أنّه خرج من السّجن للتوّ، وأنه يملك ماض سريًّا خطيرًا، هكذا يتتبّع العمل طارق إلى مسقط رأسه في نابلس، بعد سنوات من السّجن؛ حيث يُفاجئ باختفاء ابنته، فيبدأ رحلةً للبحث عنها، يضطرّ خلالها للعمل مصلّحًا لأنابيب المياه عند شخص يُدعى«عادل»(سهيل حدّاد) والذي سيكتشف أنّه يتلاعب بمياه الفلسطينيين لمصلحته الشخصيّة.

وخلال إقامته بغرفة يخصّصها له مسؤول العمل، تنفتح أمام طارق عوالم جديدة، بطلاتها ثلاث خيّاطات تثير إحداهنّ اهتمامه بجمالها وهدوئها الذي يضفي عليها شيئًا من الغموض المثير لرغبة الاكتشاف.

هنا تظهر سعاد ماسي(1972-) كممثّلة في أولى تجاربها السّينمائية:امرأة بسيطة غارقة في الصّمت والعزلة، لاشيء يشغلها غير عملها وطفليها الصّغيرين، قبل أن يبدأ ذلك الغريب في لفت انتباهها.

وهناك.. في ورشة الخياطة؛ يقترب الفيلم من عالم نسائيّ مغلق، لكنه محكوم بالأمل في حياة أفضل. خلال انهماكهنّ في العمل؛ تدور بين الخيّاطات الثلاث حواراتٌ مقتضبة ومواقف تكشف عن أحلام صغيرة، وعن رغبة دفينة في الانعتاق من الوضع الذي كان يطوقهنّ.

بطلا «عيون الحرامية»

ومن خلال شخصيّة«ملاك»، الطّفلة القويّة والمتسلّطة والعدوانيّة أيضًا، ومحيطها، تقترب نجوى النجّار من عوالم الطفولة في فلسطين المحتلّة، لترصد تداعيات الحروب وانعكاسات الاحتلال على بسيكولوجيا الأطفال المضطربة، وعلى حياتهم التي يحكمها التشرّد واليتم والاضطرار للعمل.

يتّسع المشهد أكثر ليصوّر وضع الفلسطينيين تحت سلطة العدو ومعاناتهم اليومية وتعاملهم المتشنّج مع الجنود الإسرائيليين، كما في مشهد«طارق» وهو يحاول، عبثًا، إقناع جنديّ إسرائيليّ بالمرور عبر حاجز عسكري.

غير أنّ الفيلم لايكتفي بإدانة المحتلّ، بل يوجّه أصابع الاتّهام أيضًا إلى من يتعاون معه من الفلسطينيين، فشخصيّة«عادل»هي المقابل الموضوعي للفلسطيني الذي يوهم أبناء جلدته بأنّه يساعدهم، بينما يخدعهم في الخفاء ويتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يبيعه حصّتهم من الماء.

جسّد الممثّل الفلسطيني سهيل حدّاد شخصيّة عادل بمهارة عالية، وتقمّص حالاته المتناقضة بإقناع، وبلغ الذّروة الدراميّة حين أسقط «طارق»عنه آخر أوراق التوت، وفضحه في الحيّ، بينما كان يهمّ بالزّواج من «ليلى».

استطاعت نجوى النجّار، لأوّل مرّة في تاريخ السّينما الفلسطينيّة، أن تجمع عددا من الفنّانين العرب في فيلم واحد. وأكثر من ذلك، نجحت في الدّخول إلى نابلس والتّصوير فيها، وهو ما أضفى على العمل واقعيّة، لم يكن ليحظى بها لو صُوّر في مكان آخر.

ومن الواضح أيضًا أن الممثّل المصريّ خالد أبو النجا(جائزة أحسن ممثّل عن دوره في الفيلم من مهرجان القاهرة 2014) والفنانة الجزائرية سعاد ماسي قد بذلا جهدًا محترما في تعلّم اللهجة الفلسطينية، وقد تعزو بعض الآراء تقلّص مساحات الحوار في الفيلم إلى «عائق»اللّهجة. لكن، من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة السّينما ذاتها، والتي تعتمد على لغة الصّورة، لاعلى لغة الحوار، فسعاد ماسي، وإن لم تتحدّث كثيرًا في الفيلم، سجّلت حضورًا طاغيًا لاتخطئه العين.

المخرجة نجوى النجار

قدّمت نجوى النجّار عملاً لافتًا اشتغلت فيه على ثلاث تيمات أساسية، هي الوطن والمرأة والطّفولة، وتوغّلت في العلائق بينها، من خلال خيط درامي إنساني. كما جعلت من العلاقة بين الأب والبنت حواريّة بين الماضي والحاضر المخنوق والمغلّف بالضّباب.

وبذلك، يكون الفيلم الذي يلقي الضوء على الوضع الخانق في فلسطين، بمثابة دعوة للالتفات إلى شعب من حقّه أن يعيش بكرامة وحريّة، كغيره من شعوب العالم.

الأهمّ، في النهاية، هو أن المخرجة أدخلت النضال في السّينما، دون أن تغرق الأخيرة في التقريرية الفجّة أوالخطابة المبتذلة، ولعلّ السّينما الفلسطينيّة لايُمكن إلاّ أن تكون شكلاً آخر من أشكال النّضال.

تخبرنا نجوى النجّار، من خلال«عيون الحرامية»، وأيضًا من خلال ظروف تصويره، أن للفنّ تأثير قويّ وطويل المدى، بدليل أن إسرائيل ردّت على الفيلم، الذي تقدّم للمشاركة في سباق جوائز الأوسكار 2015 (فئة أفضل فيلم بلغة أجنبية)، بفيلم يحتفي بمستوطن قتل عشرات المصلّين في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …