الأربعاء، 21 أغسطس 2019

«الجزيرة»… وعد التّرفيه الذي سقط في البحر

صلاح باديس

تبدأ الرحلة للـ«الجزيرة» من أمام«المسمكة»(لابيشري)، ذلك المبنى القديم كبقية الأشياء القديمة في ميناء الجزائر.

المسمكة

ندخل بين قاعة«الطحطاحة»، التي تقام بها مهرجانات وحفلات موسيقى الأندلسي، ومبنى آخر، لنجد أنفسنا أمام كُشك صغير يبيع التّذاكر ويقودنا إلى ممرّ بطول 20 مترا تقريبا ينتهي في البحر، هذا الممرّ عرضه متران ونصف المتر تقريباً، وقد تمّ وضع عازلات حديدية في وسطه وعلى طرفيه، ليتشكّل رواقان متوازيان، الأوّل للذين يحملون تذاكرا(بقيمة 1000د.ج للواحدة) والثاني للضّيوف V.I.P.

يبدأ الناس بالتّوافد على المكان بدءا من التّاسعة والنصف ليلاً، يقفون في طوابير غير ممتلئة ليأتي مركب صغير ينقلهم إلى«الجزيرة»(The Island)، على بعد 300 متر، بينما يتمّ نقل طاقم الخدمة في زورق صغير، يشبه«الشالوتي» الذي تتمّ عليه عمليات الحرقة. بعد أول رحلة، يبدأ النّاس في الوصول، ويمتلأ الطابور بعشرات الأشخاص ينتظرون دورهم لساعة أو أكثر، خاصة بعد السّاعة العاشرة.

بين الكُشك وفم المركب الصّغير يقف النّاس على طول عشرين مترا، بين العارضات الحديدية، كتلك التي تستعملها الشرطة، ومن حولهم ميناء الصّيادين الصّغير بكلّ بؤسه وشباكه الكبيرة وروائح السّمك، وبكلّ القطط الصّغيرة التي تعبت من شمّ الشّباك فتهرب إلى يد فتاة صغيرة لتداعبها، قبل أن تنهرها أمّها وهي تسأل الأب:«شحال نديرو فالبابور؟ زعما كتر من خمس دقايق؟ واو! أنا نخاف». فيطمئنها زوجها، وهو يتفقد السمارت فون، ويطلب منها أن لاتخاف.

زورق صغير لنقل الزبائن

أمام النّاظر، ينبسط الميناء الضيّق، بسفنه المتآكلة التي كُتب عليها أسماء أصحابها مسبوقة بلقب«الرّايس»، والذي يُذكّرنا بالمجد الزائل للأميرالية البحرية، المقابلة لوقوفنا على بعد مئات من الأمتار على اليسار، والتي بُنيت في عهد العثمانيين.

في المساحة الضّيقة بين فم المركب وأول شخص في الطابور كان المنظمون بأجسادهم الضخمة، كأنّهم حرّاس كباريهات، يعدّون النّاس قبل أن يركبوا، ويتصلون بزملائهم على الجزيرة، حيث بدأت تلمع الأضواء على اليمين في البحر. ومن أمامهم كان  الصّيادون العائدون من وجبة الإفطار يحملون وجبة السّحور في أكياس، يمرّون بالنّاس الواقفين في انتظار ركوب اليُخوت الصّغيرة وتجريب ركوب البحر في اللّيل.

يعبُر بحّارة وهم يرمقوننا بنظرات متسائلة وغريبة، بينما زملاء لهم كانوا يستلقون على الشّباك، والتي أزيح بعضها من أمامنا في عجلة جعلت بعض البنات يسدُدن أنوفهن من رائحة السّمك وزيوت المراكب. كانوا بحّارة لايشبهون في شيء أولئك الذين سبقونا – وهم شباب في العشرينيات تقريبا – إلى الجزيرة يلبسون ثياب «مارينو» وقبعات مثل قبعة «بوباي»، ويلفّون حول رقابهم مناديلا حمراء… أولئك كانوا بحّارة «مدغولين»، كانوا النُدل الذين سيقومون بخدمة الزبائن، بأزياء «تتناسب» وخصوصية الجزيرة.

كنّا أول الواصلين للميناء، لذلك وقَفَتْ أمامنا في الصّف مجموعة من راقصي السالسا، كانوا سيحيون اللّيلة، راقصون وراقصات من كل الجنسيات(أغلبهم جزائريون) بأجسادهم الجميلة، مرتدين ثياب السّهرة السّوداء. كانوا يتحدثون بلاتوقّف ويتصوّرون سيناريوهات يتعطّل فيها اليخت الصغير وسط الماء في الظّلام، يبدأ في الغرق ثم تدهم علينا إحدى سفن الشحن المتوقفة على يميننا، عملاقة كسفينة تايتانيك! لكن ما أن ركبنا وانطلق المركب، لم تتوقّف من حولي «فلاشات» الهواتف الذكية، وقد أخذ الجميع، وفي كل الوضعيات، عشرات صور السيلفي، مع خلفيات لمدينة الجزائر المُبتعدة في ليلها السّاخن.

هكذا إذن تبدأ السّهرة من البحر، حيث الصّور أهمّ من المدينة التي قال عنها أمازيغ كاتب«دزاير في اللّيل تخوّف»، وحتى عندما وصلنا إلى «الجزيرة»، والتي هي في الحقيقة نادٍ للغطس تمّت تهيئته وتغليفه بإعلانات إحدى أكبر شركات الاتصالات، والتي باقترابها من السّلطة والرّئاسة صارت تلتهم كلّ شيء وتوزّع المال على من تشاء، وتعطي الصّحافي الذي يعجبها جائزة سنوية وتمنع اشهارها عن الذي يزعجها… وصلنا إذن وما إن بدأت السّهرة والرّقص حتى أعلن مقدّم السّهرة عن توافر خدمة «ويفي» مجانية للضّيوف، فانطلق الجميع إلى هواتفهم يتفقدّون حساباتهم على الفايسبوك وينشرون الصّور التي أخذوها في المركب، مُحوّلين انتباههم عن أيّ شيء إلى شاشاتهم الصّغيرة المضيئة… تماما مثلما فعل «الكوبل»الذي كان أمامي، شاب وشابة يبدو أنّهما جديدان في «مؤسسة الزّواج»، لايتجاوزان الخامسة والثلاثين يجلسان في طاولتهما الـV.I.P، والتي من المرجّح أنّهما وصلا إليها بتذاكر من المؤسسة الخاصة التي يعملان فيها، يعكسان ذلك النّموذج المثالي لأزواج الطبقة الوسطى الجديدة، والذي تستهدفه أماكن الترفيه المماثلة، والتي انتشرت في الجزائر العاصمة، في السنوات الأخيرة، موحّدة أسعار الدّخول إليها بمبلغ 1000د.ج، من دون استهلاك! وهو النموذج الذي تُعوّل عليه أمم أيضاً، لبناء مجتمعات قويّة ومتماسكة.

ثمن الدّخول 100 دينار من دون استهلاك

ربما المقال لايقيّم الجزيرة«THE ISLAND»كمساحة «بحرية» جديدة توفّر المتعة للنّاس، ولايحاول الكاتب – خاصة – إعطاء دروس قيمية حول طبقات المجتمع والعدالة الاجتماعية ولايسمح لنفسه(رغم أنّه يتحرّق لكتابتها من باب السخرية) بوصف الواقفين في الطوابير والخائفين من ركوب زوارق لـ300 متر في حين أن البعض«يحرق»بها مسافة 300 كلم من دون خوف، لايسمح لنفسه بوصفهم ببرجوازيين صغار، هو فقط يصف ما رآه هناك وعايشه خاصةً أنّه استمتع بوقته في ليلة السالسا تلك.

من سهرات الجزيرة

المقال تجميع لملاحظات حول مشاهد بصرية في مدينة الجزائر، شاءت لها الصّدف أن تجتمع في كادر واحد هو ميناء بائس متآكل… أهملته السّلطات لعقود رغم أنّها وجماعاتها الضاغطة تقتات منه، لكنها تسمح لنفسها أن تعطي مساحات مماثلة لشركات اتصالات كبرى وشركات إشهار (boites de communication) يديرها غالباً أبناء مسؤولين كبار، تسمح لهم باستغلال مساحات من الميناء من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء تنظيفها وترتيبها، وربما يكون الشرطيان المتكآن على سيارتهما المركونة على الرّصيف، أبلغ صورة للتّعبير عن كل هذا، ففي وقفتهما الشاخصة إلينا (نحن الزبائن) كأنهما كانا يحرسان المسافة بين عيون البحّارة وتنانير وبذلات راقصي وراقصات السالسا…

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …