الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

من يقف وراء تهميش الفنان عثمان عريوات؟

«عرضوا عليّ الملايين للظهور في ومضات إشهارية ورفضت!»هكذا صرّح الفنان الكوميدي عثمان عريوات للصحافة، مبرزًا سمة من سمات الشهامة التي ينفرد بها متميّزا عن باقي الفنانين. إذ يلاحظ أن جميع الكوميديين الجزائريين شاركوا في ومضات إشهارية، سواء في التلفزيون العمومي أوفي القنوات الخاصة، علاوة على مشاركاتهم المكثفة في المسلسلات الكوميدية، خاصة خلال شهر رمضان، والتي ازدادت وتيرها في السنوات الأخيرة مع بروز الفضائيات الخاصة. الاستثناء الوحيد هو الفنان:عثمان عريوات. ليس هذا فحسب، بل ويرفض عروضا عديدة لتجسيد أدوار رئيسية في مسلسلات تلفزيونية. موقفه الرافض هذا، نابع من التزام ورؤية عميقين للفنّ، عبّر عنهما كما يلي:«… إذا كنا نعمل من أجل ترقية مستوانا وأعمالنا، أوعلى الأقل نقدّم أعمالا تبقينا في المستوى نفسه الذي قدمنا فيه أعمالاً سابقة، فأهلا بها، وإذا نحن نعمل لكي ننزل عن مستوى وصلنا إليه، فأظن أن البقاء دون عمل أفضل، أعمال دون معنى، ودون هدف، وغير معقولة، كما أنها لا تمس الشعب وواقعه المعيش، أنا لاأريد أن أوصل نفسي لهذا المستوى… »

الفنان عثمان عريوات (1948 -) حالة نادرة في عالم التمثيل والفن السابع في الجزائر، استطاع بمهارة، أن يجسّد دورين متناقضين تماما:دور البطولة في الفيلم التاريخي ملحمة الشيخ بوعمامة، ويتمكّن من تقمّص شخصية بوعمامة، الرجل المجاهد، التقي، والورع، وينجح في لعب الدور بكفاءة واقتدار، بدليل النجاح الكبير الذي حقّقه الفيلم أثناء عرضه في القاعات السينمائية، وكذلك في التلفزيون الجزائري، حيث لايزال يعرض فيه لحد الآن، رغم مضي أكثر من ثلاثة عقود على إنتاجه. وسرعان ما ينتقل عثمان عريوات، بعد ثلاث سنوات، إلى تمثيل دور آخر مختلف تماما عن الدور الأول، دور كوميدي في فيلم هزلي، لشخصية مزاجية، قلقة، تحرّض على الضحك، نعني فيلم«الطاكسي المخفي»، وينجح هذا الفيلم أيضا في استقطاب نسبة عالية جدًا من المشاهدة، بل ويعتبره الكثير من المتابعين للفن السابع في الجزائر، أحد أفضل الأفلام الكوميدية الجزائرية على مرّ التاريخ. والجدير بالإشارة أن الفيلمين، قام بإخراجهما معا، المخرج الراحل بن عمر بختي(1941- 2015)، والذي يعود له الفضل، في اكتشاف عبقرية التمثيل لدى عثمان عريوات، خاصة في قدرته الخارقة على تجسيد جميع الأدوار. وهكذا وبعد النجاح المدوي لفيلم الطاكسي المخفي، بدأت عروض التمثيل تتهاطل عليه، ليلعب أدوارًا رئيسية في عدة أفلام كوميدية ناجحة على غرار :عائلة كي الناس، امرأتان وكرنفال في دشرة.

عثمان عريوات

من يقف وراء تهميشه؟

شخصية عثمان عريوات العصيّة على التدجين، مواقفه والتزامه، عدم رضوخه لسلطة المال والإشهار، حرصه على الابتعاد عن الأضواء والشهرة، إيمانه العميق برسالته الفنية النبيلة.. عوامل ربما ساهمت في تهميشه، وإقصائه من دائرة فنية شبه مغلقة، ترفض الاختلاف، تحارب التميّز، وتحرّض على التبعيّة. أضف إلى ذلك أن الكوميديا حسب رأي عثمان عريوات، ليست تسلية فحسب، بل تنطوي على رسالة هادفة ووعي، وقد تجلّى ذلك بوضوح في تجسيده دور«سي مخلوف البومباردي»في فيلم«كرنفال في دشرة»، رئيس البلدية الذي لايتورّع عن شراء الذمم والضمائر، من أجل الوصول إلى مبتغاه. وهو الدور الذي يمكن إسقاطه على كافة المناصب العليا في البلاد. الفيلم نجح في فضح الطرق الملتوية، والأساليب اللاأخلاقية المنتهجة في بلوغ مناصب المسؤولية في أعلى مراتبها بالجزائر، وهو الأمر الذي دفع ربما بالقائمين على شؤون الاتصال والثقافة في الجزائر، إلى التوجّس وتوخي الحذر في تعاملهم مع الفنان عثمان عريوات. وهكذا ظهر التضييق جليا مع أول فيلم همّ بتمثيله وإخراجه، حيث بقي حبيس الأدراج لمدة تجاوزت 12 سنة، ولم يتم عرضه إلى حد الآن. الفيلم حمل في البدء عنوان «سنوات الإشهار»، ليقوم بتغييره إلى عنوان آخر«العرش». ويقول عثمان عريوات:«عندما عرضت الفيلم على حمراوي حبيب شوقي (المدير العام للتلفزيون آنذاك) اتفقت معه على إخراج الفيلم كما هو، ولكن عندما أنهيت عمليتي التصوير والتركيب طلب مني حذف العديد من المشاهد وهو الأمر الذي تحفظت عليه». ولعله التحفظ نفسه الذي أبدته الوزيرتان السابقتان للثقافة.

وهكذا صرح للصحافة عن دوافع غيابه، وهو النجم الأول في الكوميديا المقبول إجماعا عند معظم الجزائريين، في ألم وحسرة:«أقول لكم بصراحة.. لقد تم تهميشي وتغييبي عن السّاحة الفنية، وأوضح أكثر، الباطل والمنكر هما اللي طولو، فطال غيابي الذي لم اختره ولم أرده».

من أعمال الفنان الموسطاش

نجم الفايسبوك

لم يأفل نجم عثمان عريوات رغم جميع محاولات تضييق الخناق عليه إعلاميا وفنيا، إذ سرعان ما احتضنه رواد شبكات التواصل الاجتماعي، كما لم يفعلوا مع أي ممثل كوميدي آخر، من خلال استخدام صوره وكلماته وأقواله في التعبير عن حالات الضيق، الفرح، التهكم، أو السّخط على الوضع السياسي والاقتصادي القائم، من بين أقواله على سبيل المثال والمتداولة بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي:«سوق أمك لي يحل فالليل»، «ضحكتو علينا لجناس»، «الله يصفـر وجهك.. درتلنا التباهدايل مع لجناس، بووورت مالور»، «دار لينا لبخايس فالمانيمان»، «الله يريب ساسه، الله يقلب قرطاسه وينوّض الحب في راسه»… أوالأغنية الشعبية التي ردّدها في فيلم الطاكسي المخفي، والتي يحفظها العديد من الجزائريين عن ظهر قلب:« يا ديوان الصالحين على ربي و الوالدين، لاكسرونة لامغرف، ولابطاطا لاخرشف، ياربي بنا والطف، وسلك هاذ الحاصلين، أنا عندي دخان شعرة، والآخر يتكيف في بعرة، والسيقار عليه السهرة، قالو وحنا خاطيين، واحد نص خبزة شاتيها، والاخر للكلبة يرميها، والضربة ربي يعطيها، لهاذ الناس الفالسين، رحنا للاميري شفناها، ورانا حرنا في يماها، مول القيشي ياطح ماها، ساعة واحنا واقفين..».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف بقايا قصر أثري أمازيغي بولاية النعامة

  بجانب واحة نخيل وارفة الظّلال، عند السّفح الجنوبي لجبل شماريخ شرقا، تستقر أطلال أحد …

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى …