الأربعاء، 17 يوليو 2019

سياسيون ينقلبون على أنفسهم في.. جرنان القوسطو

في زحمة البرامج الرّمضانية، التي تظهر فجأة وتختفي، يطلّ برنامج«جرنان القوسطو»، على فضائية كا.بي.سي، كوجه باسم، وغير مبال بشؤم الرّاهن، ويُعيد الجزائري إلى يومياته، ويجعل من كآبته المتجدّدة فاصلا ساخرًا، يحرّضه على التّصالح مع السّياسة، ليس من باب النّقد أوالتّحامل عليها، بل من باب الضّحك وملامسة بعض من خيبات البلد.

من برنامج جرنان القوسطو

«جرنان القوسطو»، في موسمه الرّابع، عاد منتشيا بنجاحات المواسم الثّلاثة الماضية، ومُصرًا على رفع سقف الحريّات وعلى تشديد لهجته الضّاحكة من سياسات البلد المتقلّبة، مستفيدًا من سقطات بعض السّاسة، ومسؤولي الصّف الأول، جاعلا منهم شخصيات هزلية، تتصارع بشكل فجّ فيما بينها، من أجل مصالح ذاتية وآنية، فاضحة، بشكل أوبآخر، دونيتها أمام المشاهد.

الرّمزية تشكّل عاملا مهما في سيناريو البرنامج نفسه، الذي يشرف عليه الكوميدي عبد القادر جريو، فأبطال «جرنان القوسطو» يحاولون، باستمرار، تجنب الفصاحة السياسية المبتذلة، التي قد تصيبهم بشرر المضايقات الرّسمية، أوربما متابعات قانونية هم في غنى عنها، ويواصلون وضع أرجلهم في منطقة وسطى، بين النّقد والاستفزاز والكوميديا، مستفيدين من من التّرويج لعدد من الإشارات والتعبيرات الرّمزية، التي تحوّلت، مع الوقت، إلى لغة بديلة يتداولها جزائريون فيما بينهم، كنعت«مول السّطح» كناية عن الحاكم الأعلى للبلاد، أو«خو مول سطح» كناية عن شقيقه أو«عسّاس السّطح» كنابة على شخصية، ترتبط بالواقع وبالأسطورة في آن، تتحكّم في زمام الأمور.

المكان الذي يتموضع فيه البرنامج، وهو سطح بيت عادي أوعمارة، يحمل كثيرا من العلامات ومن القراءات، باعتبار أن السّطح هو المكان الأعلى من كلّ بناية، منه يمكن للفرد أن يرى الآخرين، ولاينظرون إليه، هو زاوية حسّاسة، من يسيطر عليها سيكون من الممكن له السّيطرة على علاقاته بمن هم أسفله، ورمزية المكان العلوي تمثّل واحدة من نقاط قوة البرنامج، يضاف إلى ذلك مرونة شخصيات البرنامج في الانتقال من دور لآخر وتقمّص الشّخصيات، مثلما يفعل كل من نبيل عسلي، محمد خساني، مفيدة عداس، نسيم حدوش، أمينة بلعابد وكمال عبدات.

تبنى البرنامج، منذ بداياته لمسة شبابية، وهو أمر طبيعي بالنّظر إلى معدل أعمار القائمين عليه (في حدود الثّلاثين سنة)، وهكذا لم يغب على ناظريه، في خضم التّسييس الكوميدي، الانتباه إلى ظواهر اجتماعية ذات أبعاد فنية، وتقمص شخصيات مغنين وممثلين، ليمنح لنفسه فضاء أوسع يتحرّك فيه، ويقارب الجانبين، السّلبي والإيجابي، من الحياة الجزائرية، التي ماتزال تعاني ترهلا، ويُقاوم بذلك السّطحية، التي تعوّد عليها المتابع في برامج مشابهة، ويصير«جرنان القوسطو» مرآة صادقة لهموم مواطن مرهق من الحلم ومن التأمل وشبه فاقد للأمل في التّطلع لحياة أفضل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرمزية

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم …