الإثنين، 16 مايو 2022

العين الصفراء في رمضان..تراويح، دومينو وسُبات

بعد صلاة التّراويح، انتقلت رأسا إلى المقهى، موعدي اليومي مع الأصدقاء، المقاهي غاصّة بالنّاس لحد الاختناق، طبعا، لاوجود لفتاة أوامرأة جالسة وسط الحشد الذكوري، وحدها المقشدة(crèmerie) خصّصت جناحا للعائلات، يقبلن عليها في استحياء.

مقاهي المدينة تكتظ بعد الإفطار

في البدء، جلست وحدي، أترقّب قدوم الأصدقاء، لعلها فرصة للتّأمل، واكتشاف ضجيج اللّيل بعد هدوء النّهار. تساءلت وأنا أتابع تذمّر النّاس من ارتفاع درجة الحرارة، وارتياحهم ﻟ«برد الحال» خارج المنزل:ترى هل فكرنا لحظة في أمهاتنا، في أخواتنا، في زوجاتنا، وهنّ في المطبخ يواجهن في تحدّ حرارة الجو وحرارة المطبخ؟

قطع حبل تأملاتي، توافد الأصدقاء تباعًا نحو طاولتي بالمقهى، قبلاً كنا نلتقي تقريبا في الموعد المحدّد، في رمضان اختلف الأمر مع اختلاف تناول وجبة العشاء، هناك من يتناول الفطور والعشاء معًا، وهناك من يتعشى بعد التراويح.

اكتمل الجمع، تحدّثنا عن جمعية صافية كتو، عن مجلة «نفحة»، عن«2084»، عن برامج رمضان، عن ندرة الحليب، باختصار تحدّثنا عن كل شيء ولم نتحدّث عن شيء… آه نسيت، تحدّثنا عن المشاجرة التي وقعت، بحر هذا الأسبوع، بين الطلبة الممتحنين في بكالوريا فرنسا لهذه السّنة في مادة الفلسفة، بعد أن صاح ممتحن شاب لم يستسغ نقد «كانت» ﻟ«هيغل»غاضبا: اغلق فمك يا «كانت»! كان البعض منهم يؤيّد الفيلسوف الألماني هيغل والآخر يؤيّد الفيلسوف الألماني الآخر إيمانويل كانت. سأل صديقي متحسّرا: ترى، متى نشاهد شجارا طلابيا بعضهم يؤيـّد ابن رشد والآخر الغزالي، أو شجارا آخر أحدهم يؤيّد الطاهر جاووت والآخر الطاهر وطار مثلا، أو بين محمد ديب و.. قاطعه صديق يجلس بجانبي:هم أصلاً لا يضعون نصوص الكُتّاب الجزائريين في امتحان البكالوريا، إلا ما ندر! ردّ صديق آخر في حسرة: الشجار كان سيحدث في حالة واحدة فقط: بين ميسي ورونالدو!

وسرعان ما التحق بنا صديقنا«ط»، رجل ستيني، يمتلك ذاكرة قوية، عندما يسترسل في سرد حكاياته نصمت، لولا فواصل من الإعجاب نتعمّدها عن سبق إصرار في محاولة  التّحريض على المزيد.. حدّثنا صاحبنا عن سيمون اليهودي، كان يملك مخبزة وسط مدينة العين الصفراء في السّتينيات، وكان يتفنّن في صناعة أجود أنواع الخبز بمناسبة الشّهر الفضيل، وهكذا كان السّكان يتهافتون على محله لشراء الخبز الشهيّ، قبل آذان المغرب بقليل، وكانت مخبزته تستمر مفتوحة حتى أثناء تناول وجبة الإفطار، وهكذا كانت مائدة الإفطار خلال تلك الفترة، مزدانة بخبز ساخن شهيّ. هنا تذكّرت خبزًا اشتريته صباح اليوم من المخبزة، استعصى عليّ هضمه. لقد بات مستحيلا أن تجد مخبزة مفتوحة في المساء، «عمال المخابز يصومون هم أيضا، وبالتّالي من حقّهم أن يخلدوا للراحة»، هكذا يبرّرون فشلهم في مواجهة امتعاض الناس عن رداءة الخبز، وعن عدم توفره بكميات كافية.

افترقنا حوالي السّاعة الواحدة ليلا، في طريقي إلى المنزل التقيت بقويدر المدعو«السوكارجي»، سألته مازحا:«واش راك قويدر؟ كيراك داير مع سيدنا رمضان؟». كنت أترقب وابلاً من الشّتائم، وهو المحروم في هذا الشهر الفضيل من «دوائه»، لكني تفاجأت بابتسامة ماكرة ندت على شفتيه:«الحمد الله، راني مسالي».. وأراني بين أنامله سيجارة مشبوهة. تذكّرت مشاهدا لجزائريين في أوروبا، لا يتورّعون عن شرب الخمر، ولكنهم يرفضون أكل لحم الخنزير لأنه حرام، أمام دهشة الأوربيين الذين لم يفهموا«حبّة» في عقليتنا.

لعبة الدومينو.. هواية رمضانية بامتياز

في السّاحة المقابلة، الأضواء كانت خافتة، ثمة حشد يشكـّل جماعات، يلعبون«الدومينو»، اللّعبة المفضلّة في الشّهر الكريم إلى جانب طبعًا أكل الزلابية! وهكذا يمتدّ لعبهم إلى غاية الإمساك، وفي داخلهم خيبة، من واقع كان بالإمكان أن يكون أفضل.. ثم سرعان ما يغطـّون في نوم عميق إلى غاية عصر اليوم الموالي..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …