الإثنين، 16 مايو 2022

مدينة الجزائر في رمضان: ليل بلاكحول

صلاح باديس

«السّهرة تبدأ بعد التّراويح».

هكذا قال لي أحمد، الذي وجدته جالسا مع ثلاثة من أصدقائه في «الكورنيش» الجديد لمدينة الجزائر، أوالصابلات كما يسمّى. بعيدون عن العائلات وضجيج الأطفال، قريبون من البحر. أحدهم  يُدعى الهادي، كان يحمل غيتارًا و يعزف أنغاما، غير متجانسة. يقتلون الوقت.. «يسهرون».

اقتربت منهم، أخبرتهم أنّي أبحث عن موضوع أكتبه عن سهرات رمضان في الجزائر العاصمة، قال لي أكبرهم «رفيق»، الذي كان يلفّ سيجارة زطلة:«روح للخيمات.. ولاّ للجزيرة الجديدة اللي فتحوها، تصيب حكايات خير منّا»، وأشار بيده إلى الجزيرة الاصطناعية التي تطفو مُقابلة الكورنيش الجديد، حيث تتكفّل واحدة من الشّركات الكبرى في البلاد بنقل النّاس اليها، على متن مراكب صغيرة.

أحمد قال لي إنّ الجو يهدأ قليلاً عندما تغادر العائلات المكان، لذلك يأتون بعد التراويح، ليس لأنهم يُصلّون، بل لأن المدينة تصير أقلّ ضجيجاً. بعد المغرب، يخرج النّاس للسّهر، عكس السّنوات السّابقة، حيث كانوا لا يبرحون بيوتهم، حفاظا على حُرمة ليل التسعينيات. وعندما سألت رفيق مازحًا لماذا لايذهب هو أيضا إلى «الجزيرة» أو إلى الخيمات الرمضانية، أو ربما إلى واحد من الفنادق الكبرى..ردّ سريعًا: «أعطيني أنت الدراهم!.. وديجا حتى وكان جاو عندي دراهم باش نسهر كل يوم، ما نروحش. الأنانيش اللّي يدورو تما ماشي ڨوسطويا». وعبثا حاولت أن اشرح له أنّ الجميع يرتاد تلك الأماكن، أشخاص وعائلات من كل الطّبقات الاجتماعية، لأنهم يريدون السّهر والترويح عن أنفسهم، لكنه لم يقتنع، وظلّ متمسكاً بكلمة «الأنانيش».

رفيق من جيل أكبر، يقول أنّ تزامن رمضان مع فصل الصّيف، في السّنوات الأخيرة، ساهم في حثّ النّاس على الخروج في اللّيل. «شوف يعني حتى رمضان في التسعينات كان يجي فالشتا، يعني تقعد فالدار، ما كاش وين تروح، تخرج برّا يتيرو عليك.. »أضاف.

عائلات وحكايات جانبية في ليل الصابلات

لاحقاً، ومع تشعّب الكلام، عرفت أنّ رفيق شبه مدمن على الكحول، لكنّه يتوقّف في رمضان عن الشّرب من أجل الصّيام، مع ذلك، فهو لا يتوقّف عن تدخين الزطلة في الليل، إلى غاية وقت السّحور. قال لي أنّه يتفادى النّاس في رمضان، وبما أنّه يعمل كحارس ليلي فذلك يُناسبه، والجمعة هو يوم الرّاحة الوحيد لديه. أتى مع أبناء حيّه إلى «الصابلات» حتى «نديرو قعدة خلوي يا خو، راك تعرف!» تكلّم. ليس وحده من يتوقف عن شرب الكحول في رمضان، يقول أحمد عن رفيق، كثيرون يفعلون الشّيء نفسه.. ثم «راك تعرف، البيع تاع الشراب في رمضان يقل. حتى Les boites de nuit اللّي يفتحو، ومكاش بزاف، يا ربي وحدة ولاّ زوج، ما يبيعوش الشراب. أنا وكان ليّا ما يبيعوش عام كامل. بزاف يا خو، رهجوا النّاس!» يقول هذا وهو يخلِطُ أحجار الدومينو.

هناك من يقضي السّهرة في ملهى

أضواء الجزيرة الاصطناعية تلمع وسط الظّلام، كنت قد رأيت إعلانات، تتبؤ بافتتاحها، في الفايسبوك، مثلها مثل المراكز التجارية الجديدة، والمقاهي والمطاعم، وكلّ معابد التسوّق الجديدة التي يأتيها الحجّاج في السّهرات الرمضانية، مبهورين بالأضواء وبما يُباع، رغم غلاء الأسعار مقارنة بالدّخل المتوسط للجزائري، وهو الشّيء نفسه الذي نراه في الأسواق، من إفراط في الاستهلاك وفي المصاريف.. «الشّعب عنده دراهم وماعندوش دراهم» يقول رفيق. «شوف يا خو هوما كلهم زواولة صح، بصح ڨع يصرفوا ويشروا وما يحكروش، على خاطر كرشهم كبيرة ويحبوا يزوخوا، ومن بعد يروحوا يعمروا الجوامع»، قبل أن يختم:«والله ما يعرفوا الإسلام يا صديقي».

أشخاص آخرون يأتون ويذهبون، من أمامنا أوعلى الطّريق السّريع، داخلين/ خارجين من المدينة، أغلب السّهرات في رمضان تلتئم تحت أعمدة الإنارة العمومية في الأحياء الشعبية، أمام طاولات مرتجلة تبيع الشواء والقازوز في كؤوس، في مشاهد قد لاتختلف عن سهرات الصّيف، بين الدومينو و البابي-فوت أو البيار إن وُجد. لكن رمضان، بتصادفه مع فصل الحرّ في السّنوات الأخيرة، علّم – ربما قد أكون مُخطئاً – الجيل الذي وُلد في التّسعينيات السّهر في الصّيف، إلى غاية بزوغ الفجر.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …