الإثنين، 16 مايو 2022

الزمن الشبكي: صداقات افتراضية وعداوات حقيقيّة

محمد علاوة حاجي

يحدث أن تفقد صديقًا.. ويحدث، أحيانًا، أن تفقد شلّة من الأصدقاء دفعةً واحدة!

نعم يحدث ذلك، ليس بالضرورة لأنّك سيّء، بل لأن الصداقة بات لها مفهوم جديد ومختلف تمامًا في هذا الزمن، الذي يُحبّ خبراء الاتّصال تسميته بـ«العصر الشبكي»، نسبة إلى شبكات التواصل الاجتماعي.

ولكن كيف يحدث ذلك؟ ولماذا يحدث أصلا؟

دعني أتّفق معك أوّلاً بأن كلّ شيء تغيّر، وبشكل راديكالي. حينها سنتقبّل فكرة أنّ ما حدث، في السنوات القليلة الأخيرة، كان من السرعة والثورية؛ بحيث لم نكد نشعر به!

سأحاول التوضيح هنا: تدور الأرض بسرعة خرافية، لكن، لاأنا ولاأنت، يشعر بذلك.

تلك السرعة والثورية أتت، بلا شكّ، على كثير من المفاهيم والتصوّرات والقناعات والقيّم لصالح أخرى. ليس بالضرورة لأنها لم تعد صالحة لهذا العصر، بل لأنها قد تكون ضاعت في الزحام.

هكذا، سنكتشف ببساطة أمرًا جديدًا، يُضاف إلى ذلك الاكتشاف القديم الذي يقول إن العالم أصبح يسير بسرعة. يقول الاكتشاف الجديد (لا أزعم أنني صاحبه) إن العالم أصبح يمشي على رأسه.

لعلّ كلّ واحد منّا تساءل، مرّة، عن كيفية التقاء الناس ببعضها قبل أيّام الهاتف النقّال، الذي وصل إلى عامّة الناس في الجزائر في 2003 تقريبًا. كان الواحد يذهب من مدينة إلى أخرى، فيجد صديقه في المكان والزمان المتّفق عليهما. الآن، بالكاد تلتقي بمن لك موعد معه في المكان والزمان المحدّدين، رغم وجود أكثر من وسيلة اتّصال وتواصل بينكما. الحجج والتبريرات جاهزة:«تركتُ هاتفي صامتًا، نسيته، أضعته.. زحمة السير..». اسأل أيّ شخص تلتقي به صدفة في الطريق:«كيفاش كانوا الناس يتلاقاو قبل ربّ التلفون؟». وسيجيبك:«بكري كانت الكلْمة».

بما أن من تنتظر لم يأت(ولن يأتي)، ستجلس، على الأرجح، في أقرب مقهًى. طبعا ستفتح هاتفك الذّكي بنيّة إلقاء نظرة خاطفة على الشبكات الاجتماعية، قبل أن تبتلعك لفترة لايعلمها إلاّ الشيطان. ستُلاحظ (أغلب الظنّ أنك لن تلاحظ) أن كلّ من هم حولك ابتلعتهم الشبكة أيضًا. الأمر أشبه بمقاهي الإنترنت التي تتّجه لأن تُصبح جزء من ماضينا السّعيد.

في مقاهي الإنترنت، وفي المقهى حيث تجلس، كلّ العيون مسمّرة باتجاه الشاشة. الجميعُ مستغرق في عالمه الخاص، يُتابع المستجدّات أوّلاً بأوّل، يبتسم، يقهقه، يعلّق، يُعجب.. يتواصل مع أصدقاء حقيقيّين أو افتراضيّين.. أو يبحث عن صديق. لاأحد يلتفت إلى العالم الذي يمور من حوله، ولاتخطر على باله فكرة أن الجالس على بعد خطوة منه يصلح، هو أيضًا، لأن يكون صديقًا.

الزمن الشبكي قرّب بيننا، لكنه باعد بيننا؛ بحيث لم نعد نقترب إلاّ لنبتعد أكثر.. العالم أصبح قرية صغيرة، لكنه أصبح أيضا قرية كبيرة.. كبيرة جدّا. يا ربّي كم تختصر ذلك بلاغة نكتة فايسبوكية تقول:«راحت الإنترنت اليوم وقعدت شويّة مع الدار.. والله غير بانولي ناس ملاح!».

في الزّمن الشبكي؛ أصبحت الأرقام هي المعيار الأوّل والأخير: عددُ المعجبين وعدد المعلّقين وعدد الأصدقاء وعدد المتابعين.. لذلك بالتأكيد فضيلة ما، قد تكون انكشاف عورة المثقّف التقليدي وسقوطه المدوّي من برجه العاجي (أكره هذه العبارة) وتراجعه لصالح نجوم جدد قادمين من الأوساط الشعبيّة. كثير من الشباب«العادي» بات يفكّر بصوت مسموع ويفاجئ متابعيه بوجهات نظر خارج الصندوق، ويؤثّر ويُتابعه أضعاف من يتابعون المثقّف التقليدي الذي ركب الوسائط الجديدة ليعيد مضغ مقولاته القديمة، دون أن يسمعه أحد (لحسن الحظّ).

لكن ذلك ليس في النّهاية سوى شكلاً من أشكال الوهم.. قد تصل قائمة أصدقائك في «فايسبوك» إلى الحدّ الأقصى، لكنك في واقع الأمر دون صديق. اقبل منّي هذه الحقيقة المرّة: أنت أكثر وحدة من أيّ وقت مضى.. إنّك وحيد أكثر ممّا تتخيّل.

في رواية«لون الماء» التي يسرد فيها الروائي الأمريكي جيمز ماكبرايد سيرته الذاتية وسيرة والدته في أواسط القرن العشرين؛ تقدّم الأمّ، التي خبرت الحياة جيّدًا، حكمة بليغة لابنها عن الأصدقاء:«في حياتك كلّها، لا يُمكن إلاّ أن يكون لك صديق واحد».

ستكتشف أنت أيضًا هذه الحقيقة المؤلمة، ستقف بنفسك على مدى مأساويتها.. ستذهب رأسًا إلى الشبكة التي تتخبّط في خيوطها، لتنفّذ الفكرة التي طالما راودتك: تشنّ سلسلة«حظر»تشمل كلّ هؤلاء الذين توهّمت بسذاجة أنّهم أصدقاء لك (يشكّلون الأغلبية السّاحقة). حينها، ستكتشف أن كلّ واحد منهم تحوّل إلى عدوّ حقيقيّ من شحم ولحم. وتلك مشكلة أخرى من مشاكل الزمن الشبكي: صداقاته افتراضيّة، أمّا عداواته فحقيقيّة.. حقيقيّة جدًّا.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …