الإثنين، 21 سبتمبر 2020

كيف نقرأ مالك بن نبي في مجتمع قابل للتّخلف؟

مالك بن نبي في وسط الصورة

طرح المفكر الإسلامي مالك بن نبي(1905-1973) في كتاب «شروط النّهضة»(1948) مفهوم «القابلية للاستعمار»، ولمّح إلى خلاصة تفيد أن كلّ مجتمع يطبق أسس الحضارة الغربية، أويقف متعلمًا منها، هو بالضرورة مجتمع مُستعمَر، وأن ما نستورده من تلك الحضارات يدخل تحت مظلّة «الاستعمار»، ودارت الفكرة العامة للكتاب نفسه حول أهمية الدّين في دفع الحضارة إلى الأمام، وكيف يجب أن يكون للمجتمع هوية تخرج عن سياقات المُستعمر، وقدّم بن نبي الفكرة الدّينية على أنها رمز للاستقلالية، وهنا تكمن المغالطة والدوغماتية، هذا ليس انتقاصا من مكانة المفكر بن نبي، ولكنه حقّ في إبداء وجهة نظر تختلف عما ذهب إليه من مسلمات.

انطلق مالك بن نبي في طرحه من فكرة تعدّد الحضارات، وهي فكرة قديمة، فالبشرية اليوم تتّجه نحو توحّد الحضارات في قالب واحد، والعولمة ليست سوى شكلاً من أشكال الاستعمار، أوما يمكن أن نُطلق عليه «اصطفاء اجتماعي»، حيث باتت الحضارات تشهد اندماجا فيما بينها وتفاعلا في إطارتبادلي «تاثر وتاثير»، والمشكلة الوحيدة هنا ليست القابلية للتّأثر وإنما عدم القدرة على التّأثير، فكلما فقد مجتمع هذه الخاصية أصبح مجتمعا مُكتسِبا فقط، دون ردة فعل، وبالتالي يفقد بعضا من مكوناته الهوياتية، وسيجد حضارة أخرى تحتويه، وهذا ليس استعمارا، بل هي عملية إنقاذ تتّكئ على مبدأ اندماجي،  يختلط فيه السّيء بالجيّد، من هنا بات ممكنا الحديث عن القابلية للتّخلف بدل القابلية للاستعمار.

المجتمع يشترط توافر اكتفاء ذاتي في الأفكار، ومنتجا فكريًا للتّصدير من أجل تحقيق عملية تاثر متوازنة، تعبّد طريق الاندماج في الحضارة البشرية، والاندماج بين أفراد المجتمع الواحد، بشكل سلس.

إن حصر عقول الأفراد في الرّأي الديني يقوّض هذه العملية، ويحيل المجتمع على فراغ، وتصير آلية الاصطفاء فيه مُعطّلة، وبينما تتطوّر مجتمعات انطلاقا من تلك العملية وما تتعلّمه منها من خبرات ومعارف، تبقى المجتمعات الأخرى تتخبّط في ركود كرونولوجي دون أن تدري.

التّقوقع على الذّات يوافر بيئة مناسبة لنموّ التّسلط الاجتماعي، وبالتّالي اتّساع رقعة التّطرف، ومن هنا يدخل المجتمع في حالة صراع سلبي، لاينتج عنها سوى المزيد من التّخلف، مع تطوّر النظر لحرية الفكر نظرة دينية، لاإنسانية، فالالتفاف على رقبة فكرة واحدة، سواء كانت دينية أوغير دينية، هو مايسهل عملية التّخلف، وتصير الجماعة رافضة للاختلاف ومقدّسة للفكر الأحادي، الذي يصيرغير قابل للتجديد.

غلاف كتاب شروط النهضة

المقصود بمفهوم القابلية للتّخلف هو مجموع العوامل الذّاتية التي تحقّق تخلفا في مجتمع ما، حيث يلعب الانغلاق الفكري دورًا مهما في بلوغ هذه الحالة، خصوصا لما تحرّم المجتمعات على نفسها المناقشات الحرّة، وتضع حدود للإبداع، وتفقد القدرة على تعريف الأشياء بمسمياتها الحقيقية،   فمصطلح الأخلاق مثلا يحتمل تعريفات مختلفة، ويجدر النّظر إليه من زاوية الخير والشّر، وليس من زاوية الحلال والحرام. الأخلاق هي أن تفعل ما هو خير، أما الدّين فهو أن تفعل ما تؤمر، ووفق التّعريف المتداول حاليا للأخلاق – من منظور ديني – صار من الطّبيعي مشاهدة الفوارق الاجتماعية وتزايد حدّة القهر الممارس من أفراد ضد آخرين.

ومن الصّفات التي تدلّ على قابلية مجتمع للتّخلف قهر الأقليات، فالأقليات في المجتمعات الصّالحة تحظى بالاحترام، فهي معيار لمدى تحضّر الجماعة، وحيثما توجد أقليات تعيش بكرامة توجد مجتمعات متحضّرة، على عكس المجتمعات التي لها قابلية للتخلف، التي تضع الأقليات على هامش المواطنة وتجرّدها من حقّها في التّعبير، وتحت وصف الأقليات نجد الأقليات الدينية والأقليات الفكرية والأقليات الجنسية والأقليات العرقية والأقليات اللّغوية.

إن القابلية للتخلف في مجتمع ما تجعل منه مجتمعا راكدا، يضطرب لمجرد سماع الرأي الآخر، ويخاف من كل ما هو مختلف عنه، يُقدّس فقط ظرته الذّاتية للحياة، ويعاقب كل فرد يخرج عن قناعاته، مما يجعل من عملية الانتاج الفكري متوقّفة بشكل تامّ، فيصبح المجتمع غير فاعلا في الاصطفاء الحضاري وتصير فيه العنصرية فضيلة وقهر المرأة واجبا شرعيا، كما يرفض المجتمع ذاته مشاركة الفرد على نطاق واسع في السّجالات، و يعتبره قاصرا، فتخبو بذلك رغبة المجتمع في المجتمع، مما يجعله في حقيقة الأمر في قابلية للاستعمار.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …