الإثنين، 16 مايو 2022

رمضان.. بين الدين والاستهتار

محمد بن جبّار

هل فقد رمضان مقاصده؟

مهما اختلفت مظاهر رمضان، من جيل إلى آخر، ومن فضاء إلى آخر، تبقى المدن الحضرية العريقة تتميّز عن غيرها في الاحتفاء به، فمظاهر الشّهر في بغداد والقاهرة ودمشق وتونس والجزائر العاصمـة مثلا تختلف عما تعرفه المدن التي أفرزتها الكثافة الديمغرافية أوالفورة البترولية أوعوامل جيو سياسيـة أخرى.لم يكن رمضان لحظـة توقّف وتأمل للمؤمنين فحسب، بل كان يعني شيئا ما لفئات كثيرة من النّاس، على اختلاف اتّجاهاتهم.

كنا صغارا وكنا نستمتع بتقاليد المدن المشرقية، مثل المسحراتي الذي يتخذّ أشكالا وألوانا وسلوكا تميّزه عن غيره من مسحراتية المغرب العربي، ما أدهشني حقًا أنه في المشرق العربي، وفي إحدى المدن الفلسطينية، المسحراتي ينتمي إلى ديانة مخالفة لديانة المسلمين، وهذا في حدّ ذاته مساهمة رمزية لتآزر الطوائف والانسجام التّاريخي فيما بينها، وتعبير عن المصير المشترك الذي يربط بين أبناء الوطن الواحد.

رمضان غني بإيحاءاته الدينية والتصوفية والحياتية والوجودية، هـو لحظة تأمل عميقـة للأشخاص، لحظة للالتفات إلى الوراء، لحظة لمحاسبة النّفس عما ارتكب من أخطاء صغيرة وأخرى كبيرة، وفرصة للتّطهر بالمفهـوم الصوفي البحت.

رمضان هو محطـة لانطلاقة جديدة من أجل إعادة ربط أواصر المحبة بين النّاس، وتعزيز صلة الرّحم، والتنازل عن «الأنا الأمارة بالسوء»، هو فرصة للتّسامح والتّواصل والتّنازل والاعتذار.

لكن، من المفارقات، وحتى في أكثر المدن عراقة، نجد أن «البونـادم» يصوم رمضان ويعدّ العدة له ويُصلّي ويحرس على أداء التّراويح وترتيل القرآن، وفي الوقت نفسه، يُبرز كل المظاهر السيئة التي تتعارض مع روحانية الشّهر ومبادئه! السوق تفلت جماحها بشكل فاجر، التّجار يتحرّر جشعهم بشكل غير مسبوق، التعامل بين النّاس يتم بمزاجية بغيضة، كل فرد يصير مشروع قنبلـة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، مع ملاحظة إسراف الفقراء والأغنياء في التسوّق بشكل مبالغ فيه، حيث نجد الأسواق عامرة والأشخاص يحملون القفف والعرق يتصبب من جباههم، ونادرا ما نرى أحدهم يحمل كتابا أويدخل إلى مكتبة ويتصالح مع العلم والثقافـة ومع نفسه.

أي عاقل يلاحظ، بدون الإمعان في النّظر، أن الواقع الرمضاني والممارسات الرمضانية ليست تلك التي يصبو إليهـا رمضان بطنا وباطنا، شكلا ومضمونا، سطحا وعمقا. رمضان أضحى شهرا للاستهتار والتّدين الفارغ، يظهـر فيه البعض عيوبهم ونقصهم وعقدهم وشراهتهم وفجورهم وسوءاتهم.

الجرائد اليومية والأسبوعية تعجّ بالوقائع الرمضانية المشينة، فبدلا من أن يكون شهر سلام ومحبة، نجد أن الفصائل الإسلاموية تعلن حروبها على غير الصائمين، باللّعنات والتّكفير تارة وبالتشهير والعنف تارة أخرى، والمؤسف حقًا أن الأوصياء على الدّين أوأولئك الذين يضعون أنفسهم كذلك لم يفهمـوا مقاصد الدّين، ونأسف لهم حقًــا، فلا إكراه في الدّين ولافي شعائره ولا في طقوسه، مسائل الإيمان تخضع لإرادة الشخص وحده، والحملات المتشنجة ضد غير المتدينين لا تصبّ إلا في طريق تهديم روحانية الدين، فبدلا من التمسك بمقاصد الإيمان الحقيقية، اشتغلوا بقشوره وبمظاهره الخارجية.

رسالة رمضان هي رسالة الإسلام نفسه:«خلّي غنم الناس في زرع الناس»، واهتمام الشخص بنفسه، بأن يُحاسبها، يعيد النّظر فيها، يمتحنها برفق ويزنها بميزان الكفاف والتجرد من الأهواء. الأدبيات الإسلاميـة في هذا المجال لاحصر لها و تعجّ بالأمثلـة والمواعظ، ولايكفي العمر كله في قراءتها، لكن، لسوء الحظّ، القليل من يتدبّر المعاني العميقة للإسلام الرّوحاني.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …