الإثنين، 16 مايو 2022

كيف تعامل أصدقاءك في الفايسبوك..؟

سفيان مقنين

الفايسبوك يسهّل الصداقات وحذف الصداقات

في الأعوام القليلة الماضية، صار مألوفا أن يلتقي الواحد منّا بشخص يعرّف عليه كلّ كبيرة وصغيرة، ويعرف الطّرف الآخر عليه الشّيء نفسه، ويُصافح الأول الثاني، ويتلمّس وجوده الحقيقي لأول مرة، ويكلّمه وجها لوجه وشهيقا لزفير لأول مرة كذلك. فكلاهما كان متخفيا، طيلة المدة السّابقة، خلف أيقونة على حساب في موقع تواصل اجتماعي، قبل أن يقررا أخيرًا أن يلتقيا في مقهى أوعلى ناصية شارع، أوفي واحدة مما تبقى من حدائقنا العمومية.

مُنذ أن أصبح الفايسبوك يحتلّ جزء معتبرا من ممارساتنا اليومية، صار الحصول على أصدقاء جدد في أمكنة مختلفة من الجغرافيا، ومن فئات متنوعة من الأعمار والمستويات، أمرًا متاحا للجميع، دون حاجة لمغادرة أماكن تواجدنا في غرف النّوم أو في مكاتب العمل، بحصر أبصارنا فقط على شاشات الكمبيوتر، أوشاشات هواتفنا غير الغبية التي نستعملها .

كثيرا ما يتباهى البعض منا بالأعداد المئوية أو الألفية التي تُشكّل قائمة أصدقائه، تماما كما يتباهى بعضنا الآخر بعشرات الكتب الإلكترونية التي يحفظها في قرص صلب (دون أن يقرأ كل عناوينها، حتى لانقول مضامنيها)، وهي صداقات تبدأ بنقرة وتنتهي بنقرة، فهل هي  جديرة بأن تحمل هذا المعنى الإنساني، أي الصداقة؟ وهل أصبح الإنسان مجرد نقرة في هذا الكون، تحدّدها حركة فأرة، وترسمها لوحة مفاتيح على شاشة من زجاج تستقر فوق طاولة من خشب؟

العالم يتشكّل من جديد في فضاءات أخرى حولنا، فهل انتهى عصر:«أرفع قلمي لأكتب لك هذه الرّسالة.. عسى يطفئ مِدادُ الحِبرِ ما اشتعل في صدري من نيران الشوق..» ليبدأ عصر آخر لاتخرج مصطلحاته التعبيرية عن«أمرّر أصابعي على لوحة مفاتيح الكمبيوتر لأعبر لك، في هذا الميقابايت المتواضع، عن أشواق عميقة، ستكتشفينها من خلال الملفات المرفقة التي ستصلك على جناح الأم.أس.أن، بعد أن انقطع حبل وصال السكايب بيننا» .

حطّت على رأسي هذه التساؤلات وأنا أتأمل قائمة أصدقائي المفترضين في الفايسبوك، وقد اشتعلت الأضواء الخضراء على يسار أيقوناتهم، ما يعني أنهم سيستقبلون أي كلام كنت سأرسله إليهم في اللّحظة ذاتها، ولو أن ذلك لايعني أنهم سيردّون عليه، فليس كل من يمتلك حسابا، يمتلك الوقت الكافي أو المزاج اللازم للردّ والإجابة، خاصة على تلك النوعية من الأسئلة التي نطرحها ونحن نعرف إجابتها مسبقا، على شاكلة: مرحبا! كيف حالك؟ من أنت؟ فليس هناك ثلاثون إجابة لسؤال كيف حالك، أو خمسون إجابة لسؤال من أنت.

ولكن، لماذا حطّت هذه التساؤلات أمام هذا المنظر الإلكتروني بالذات؟ ربما لأن الفايسبوك بقدر ما كان فضاء مناسبا لميلاد صداقات جديدة، بقدر ما أصبح فضاء حقيقيا لاختفاءها أيضا، و الدّليل هو أن الكثير من كتابات واعترافات المدونين في الموقع نفسه تعلن في كل مرة عن حركة تصحيحية، أو حملة تطهيرية لقائمة الأصدقاء، لأسباب يطول شرحها ويتعدّد.

عندما وضع مارك زوكربيرغ دعائم هذا العالم الافتراضي على الإنترنيت، وضع بعض القواعد القانونية والأخلاقية التي تحكم علاقة المستعمل بالموقع، وترك الأخلاقيات التي تحكم علاقة المستعملين ببعضهم البعض شأنا خاصا بهم داخل خانات التعليقات ومساحات الدردشة، لكن سرعان ما استبدّت بعض المظاهر الخبيثة بهذه الخانات والمساحات المذكورة، وأكسبتها مناعة قوية ضد آداب النّقاش والحوار والتواصل، وحوّلت بعضها إلى حصون ظليلة يرتدي النّاس داخلها أقنعة تحميهم وتغنيهم عن إظهار الأوجه الحقيقة للعقول والقلوب. فأصبح السّفيه سيد الأذكياء وصار الخبيث صفيّ الأتقياء وأمسى الجاهل إمام العلماء.

إذًا، لكل من يرتاح في حديقة الصّداقة الافتراضية (الفايسبوك)أقول: «احذر من بعض المتسلّلين، فهناك من يريد أن يحوّل هدوء الحديقة إلى فوضى حفلة تنكرية، تتنكّر فيها أخلاقيات وشخصيات بأكثر من وجه في الدقيقة.. هناك صداقات تولد لتحيا، وأخرى تولد لتموت».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …