الجمعة، 25 يونيو 2021

عثمان الذي انتصر على السرطان بعد أن خطفه

ضيف حمزة ضيف

عندما يُقبل الموت، تبدو الأشياء بيضاء تماماً، السّماء يغشاها شيء قليل من غيوم مكتنزة، والرّيح تحتجّ على غياب المراوح، فما إن تبرح مكانها حتى تستوي وسط المكان، لتنكسر أخيراً في المنتصف، كأنّها فشلت في الاستناد على قامة عثمان السّامقة وتضاريس جسده الأنيق من غير تكلّف،  ثم تتبدّد شيئاً فشيئاً قبل أن تندثر أخيراً على الجُدر والمباني، وعلى  شارع بيته الذي يمتدُ على هيئة المسطرة المائلة من أعلى إلى أسفل..

عندما كنت، في آخر مرة، جالساً مع عثمان في بيته، ذات ليلة قريبة من الآن، كان يفكر كثيراً بين الكلمة والأخرى، وأحياناً يتلبّد الوجوم على شاطئ وجه، وهو يتحدّث كيف أنه عاهد نفسه على مقاتلة السّرطان، ومجالدة العلاج الكيميائي الذي نال من شعره أخيراً، وأصبح ذلك الشّاب الجميل، الذي عرفته منذ أن درست معه سنة 1997، في أول عام في مرحلة الثانويّة، لايلقي بالاً مهيباً لشعره الذي طالما تعهده بالتصفيف الجيد والتسريح الحسن، كل ما هنالك أصبح عنده عابراً حتى شهوة الإنجاب، باتت فجأةً رهينة مسالمة للضياع و التلاشي..

يتحدّث حيناً ثم يقاطعه الشّهيق المُر بين كل فاصلة متطفلة، بين الكلمة وأختها، ثم يأخذ نفساً عميقاً، قبل أن ينطلق بتأوهٍ صفيق المدّة، كأنّه هو الآخر يريد أن يشاركنا الحديث، ويأخذ نصيبه من جسده المتعب. لقد حدّثني كيف أنّه يستند على جسده حتى وهو مُمدد على سرير المشفى، حيث تتناوله الأيدي بلطفٍ والأشعة تمسح مكان الورم، فيما عيناهُ تتابع السّقف، وتتقصّى الضوء الخافت في غرفة العلاج.

أخبرته الطبيبة في آخر جلسة، بأن الورم راح يتضاءل كثيراً في مكانه، وأن عليه أن يقاومه مرّةً أخرى حتى إذا بلغ تمام اضمحلاله، جاز لهُ أن يعتمر قبعة ريثما ينمو الشّعر من جديد، ويستعيد صحته، ويرسله إلى كتفيه إن أراد ذلك..
ضحك عثمان وهو يقصّ عليّ طرائفه مع الممرض العنيد، بينما كان هنالك بريق غريب من الأمل يطفو على ضفة عينيه، يخبرني بأنّه سوف يُشفى من جديد، ويواصل حياته كأيّ واحد منّا.

وما إن رأى كثير القلق الذي غزاني فجأةً، حتى بادرني بالقيام، و شدّ يدي وأخذني إلى غرفة نومه، قائلاً:
– عليك أن تشاهد غرفتي و تعاين سريري، ربما يتحرّك فيك شيئاً و تقرر أن تستعيض عن حال وحدتك بامرأة تتزوّجها، فتكفل لك الأنس وتشاطرك هموم الحياة.

دلفنا الغرفة، فإذا هي مرتّبة على نحو افتقد التّعامل مع نظامه الدقيق، كل شيء في مكانه، السرير مصفوفاً في المنتصف، والوسادة متكئة على الجدار، والشراشف على حدودهما تتدلّى كأنها تنتظر يد عازف كي تغني..
– يا عثمان لو تشاهد غرفتي، كل شيء متطاير وفوضوي، حتى أختي «سهام»، التي تعتني بيّ، أشعر أنها سوف تصفعني يوماً ما، بعد أن أبعثر مساءً ما أشرفت على ترتيبه صباحاً.

ضحك عثمان عبد السلام، وأخرج من درج الخزانة تفاحة ضخمة، انتقاها لي بعناية وحلم، ثم وضعها في يديّ.
قلت له: «تعرفني لا أحب الفاكهة كثيراً، عدا البرتقال الذي يحلو لي أن أغازله متى أراه..». ضحك طويلاً، وجعل يدييّ تحتضنان التفاحة بشغفٍ، ثم أمسك بكتفيَّ:

– مادمت دخلت غرفتي سوف تأخذها وتأكلها رغماً عنك.

تركت عثمان وخرجت من بيته ليلاً قافلاً إلى بيتي، وأنا أنظر إلى تلك التفاحة، فجأةً وجدتني أقضمها بنهم شديد، وأطرب لصوت القضم وهو يُصاحب تماثل التفاحة إلى الصّغر، لقد كانت لذيذة للغاية، على غير ما عهدته من لذّة التّفاح التي لاتستهويني عادةً، ودافئة جداً كأنّي كنت أقبل يد عثمان تماماً، عندما كان في المشفى في آخر أيامه.

أياماً قليلة فقط، زرته في بيته، وجدت عنده«شلتنا»الجميلة مجتمعةً في غرفته، كان مُمدداً على سريره، يبتسمُ ويتصفّح الوجوه، فيما عبد الرحيم يسرد احتجاجه على حكيم الذي أطلق في حقه مزحة«كبرى»، بينما كان بختي صامتاً ومصطفى يشحذّ أوداج عبد الرحيم، حتى يصوغ حدثاً طريفاً يضحك عثمان، منعتني غزارة الضحك من أن أحوّل وجهتي إلى أحاديث العلاج القاسي، أوأقصّ له كيف أني سقطت من على الدراجة الهوائيّة في أحد المنحدرات الضيّقة.

لم يسعفنا الحظّ كثيراً في اجتناب القلق، فما هي إلاأياماً قليلة حتى ضاعف السرطان هجومه، ودخل عثمان إلى المشفى، والتعب قد ألمّ بكامل أطرافه، حتى التنفس بات متقطعاً وصعباً، وخرير الريق على صدره يحدث خشخشةً لانظير لفظاعة أزيزها، لحظات وهاتفني محمـد، أخبرني بأن حالته حرجة للغاية، ذهبنا معاً إلى المستشفى كي نزوره، رافقنا يعقوب حتى يطمئنّ أيضاً على حالته.

ولجنا باب الدّخول وشاهدناه بنصف وعيّ، يقلّب بصره فيّنا، ويتملّى وجوهنا وأحاديثنا، وإبّان الخروج قبّلت يده، التي ذكرتني بملمس تلك التفاحة التي أهدانيّها في آخر خلوة بيننا..

عند مساء اليوم المجاور، وبينما الليل في أوّله، يرن هاتف خفيّ من محمـد..

– حمزة، عثمان في الإنعاش..

– ماذا..!

التقينا سريعاً وخرجنا بلمح البصر، صاحبنا عامر وقصدنا المشفى على جناح السّرعة، دخلنا مسرعين ومضطربين كثيراً، كأننا أطفال – و قد كنّا وقتذاك معاً – فاتنا جرس الدخول، وجدنا والده يبكي، ورشيد مكفهرالملامح، ومصطفى وعبد الرحيم يشيحان بوجيّهما على كل الوجود والجدران المقابلة، كأنهما يهربان ممّا سوف يلاحقهما، ويقبض عليهما، مهما اقتنصا فرصة للخروج من مأزق الظنّ باقتراب النهاية..

عثمان عبد السلام

كان عثمان في غيبوبة كاملة يرتعد، وكل الأجهزة المساعدة على عودته إلى الحياة تثقب صدره، وتتسلّل من فمه وأنفه.. تنقبض رجلاهُ حيناً، ثم تنبسط حيناً أخر، ترتفع قليلاً ثم تهبط، وعندما تنخفض دقّات قلبه يرتجف بشدّة، كأنّه عصفور صغير تحت خط المزراب.. إنّه يكافح كي يمسك بالطرف الأخير من قميص الحياة، هكذا قال الطبيب..

– مالذي حصل بالضبط؟

– لقد انتشر السرطان الخبيث في كل جسده..

لاأمل.

صباحاً، جاءني محمـد، وصوته يتهدّج بعنف خفيّ:

– حمزة …  الدّايم ربي.

– ماذا؟

– مات عثمان.

فجأةً؛ انسلت الذكريات من ذهني، وتدافعت على هيئة الطابور السّريع، وبدا أن ذلك كله، مرّ في خفقة قلب مذعور، تراءى ليّ وجهه، وهو يبتسم، أويصرخ، أويقهقه كعادته، ثم يطأطئ رأسه ويخفي وجهه خفراً بكلتا يديه، ولم استفق بعدُ، إلا حين فجّر عامر جملة راحت تسيل من ملامحه، كأنها تبحر على ظهر الدموع وتمخر عبابها ببطء حذر..

– يا جماعة، عثمان راح..

هكذا ذهبت بنا الأفكار بعيداً، ونالت منّا الصدمة وانغرزت في الأجساد، كأنها كانت تتحيّن الفرصة كي تتخذ من مسام أجسامنا أنفاقاً متشعبة ومسالك مغلقة.. لكأنّنا صادفنا الموت لأول مرة، واعتلجنا معهُ في خط دفاعنا الأخير، وحملناه على أكتافنا حتى نلقي به خارج الطنين الذي شاب أذاننا..
كل الأماكن بعده صارت له، حتّى اللّغة أصبحت ملكاً لفواصله الدخيّلة، بينما الذكريات التي جمعتنا مع رفاقنا في المدرسة جسراً للعبور من جرح إلى آخر، منذ ذلك الحين ونحن معاً، لم نفترق أبداً، حتى آخر لحظة لم يشغلنا انكبابنا على نهر الحزن البطيء من أن نكون معاً. استندنا إلى جدار بيته وفي قلب كل واحد منّا، رغبة في لكمه بقوة، لعل الضرورة تسعفه لكي يشاركنا ما نحن فيه، أويقتسم معنا خبز الفجيعة المرّ..

محمد وحكيم، بختي ومصطفى، خالد وعبد الرحيم، رشيد وأنا.. وآخرنا سقط من العقد الذي حافظنا على تمامه منذ مايقارب العشرين عاماً، لم نخف على بعضنا شيئاً من أجراس الحياة رغم أنها  صامتة دائماً، حتى تلك اللّحظات التي كنّا نقيضيّها في حوائجنا أوأعمالنا، كانت انتقاليّة فحسب، لاغير.

عثمان الذي كان يصرخ من الوجع، عندما سأله الطبيب، هل هؤلاء أصدقاؤك؟ خلع عن فمه عُدّة التّنفس، ونفى ذلك، ثم قال مستجمعاً قواه: «هؤلاء إخوتي..».

كان ذلك آخر ما تلقيّناه منه، ميثاقٌ غليظ بروايته الدنيويّة، حافظ عليه حتى وهو على ضفّة الرحيل، لم يستطع الموت أن يهزم عشرين عاماً من الصداقة، كنّا فيها أكثر من إخوة، نشطر الرغيف معاً، ويحضر الغائبون في غرف الكلام، ومن غاب منهم، يأتي سريعاً حتى لايكون طعاماً لنميمة مصطفى المحبّبة، ونكات محمـد التي يضحك منها عثمان طويلاً، حتى بعد انتهاء عمر الدعابة.

لم أصحُ من هذا كله، إلابعد أن قال لي صديقي طاهر في مفترق الطرق:«يا حمزة، لقد بلغت سلامك الأخير لعثمان قبل أن يدخل في غيبوبة الموت..  وقد ردّ عليك السلام وودّعك».

عثمان عاد إلى وطنه الأصلي، عثمان عاد مظفّراً من الدّنيا بالصبر والإخلاص، وسكن النّجوم أخيراً، حيث لاتعب ولاريح.. ولاأورام خبيثة كما في الحياة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …