الجمعة، 25 يونيو 2021

سعاد ماسي تنتصر للمتنبي ولشباب الرّبيع العربي

سعاد ماسي

فاجأت سعاد ماسي جمهورها بإصدار ألبوم جديد، حمل عنوان«المتكلّمون»، ضمّ عشر أغان، اختارت الفنانة كلماته بنفسها، من عيون الشّعر العربي، عبر مختلف العصور، ابتداءً من العصر الجاهلي مع امرؤ القيس، مرورًا بالعصر العباسي مع المتنبي، وانتهاءً بالعصر الحديث مع أبي القاسم الشابي والشّاعر العراقي الملتزم أحمد مطر.

«المتكلّمون» هو ألبوم سعاد ماسي(1972) الخامس، وعن دوافع  تصدّيها للشعر العربي الفصيح – على صعوبته في الغناء والتلحين –  لأوّل مرة في مشوارها الغنائي، قالت صاحبة «مسك الليل»:«كانت لديّ الرغبة في تغيير الصّورة النمطيّة الخاطئة عن العرب، فأخذت أبحث في تاريخ علوم العرب، ووجدت الإبداعات في مختلف المجالات، كالطب والرياضيات والفلسفة، وطبعاً الشعر»

وتضيف: «وجدت كتابات وأشعاراً عظيمة تنتمي لعصور مختلفة، وأدركت ما يكتنزه التاريخ العربي، من ثروات فكرية وعلمية، وكان لقراءاتي عن مدينة قرطبة الأندلسية أثر كبير في نفسي، فزادت رغبتي في تكريم بعض رموز الشعر العربي، الذين أعطوا الكثير، ابتداءً من العصر الجاهلي مروراً بالعصر العباسي وأخيرًا العصر الحديث».
ولم تكتف المطربة بالغناء فقط، بل انتقلت إلى مرحلة متقدّمة في الترويج والاحتفاء الحضاري بألبومها الغنائي المتميّز، إذ أرفقت معه كتيّبا يقع في 43 صفحة، ضمّنته جميع القصائد الشعرية التي تناولتها بالغناء، مرسومة بخط عربي، ومرفقة بترجمة إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

غلاف الألبوم

المتنبي في الصّدارة

ومن الشعراء الذين احتفت بهم سعاد ماسي وغنّت له أكثر من قصيدة، الشاعر أبو الطيب المتنبي، من خلال قصيدته«الخيل واللّيل والبيداء تعرفني»، المتضمنة البيت الشهير: «الخيل واللّيل والبيداء تعرفني/والسيف والرمح والقرطاس والقلم».

وهو البيت الشعري الذي تكرّره في أغنية«الخيل واللّيل»، كلازمة لحنية جميلة. ولعلها الأغنية التي نالت استحسان المتلقي العربي، وحازت على أكبر حصيلة من الإعجاب، من خلال اختيارها الإيقاع الخفيف الذي تحوّل لحنا جميلاً وصوتا شجيًّا، يأسر من يستمع إليه.

حتى وإن بدت سعاد ماسي مرتبكة قليلا في نطقها بعض كلمات القصيدة، الصعبة نوعا ما، وهي نفسها تعترف أن الأمر استدعى منها مجهودًا جبارًا، حيث وجدت اختلافات عديدة في المصادر الشعرية، لاسيما من ناحية التشكيل، ورغم استعانتها بعدد من الأساتذة المتخصّصين، في النطق الصحيح للكلمات، لكنها تعترف بارتكابها بعض الهفوات البسيطة، تحاول – كما قالت – أن تصحّحها في الحفلات.

قصيدة المتنبي هذه، تضمّ أيضا أشهر بيتين شعريين لأبي الطّيب، جسّد من خلالهما نرجسيته، واعتداده الشديد بنفسه وشعره:

«أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها/ ويسهر الخلق جرّاها ويختصم».

هناك قصيدة أخرى معبّرة، غنّتها للشاعر نفسه، ولكن بإيقاع مختلف، يقول مطلعها:

«بم التعلل لا أهل ولاوطن/ ولا نديم ولاكأس ولاوطن

أريد من زمني ذا أن يبلغني/ ما ليس يبلغه من نفسه الزمن».

ولعل اهتمام الفنانة الجزائرية بالشاعر المتنبي لم يأت اعتباطا، فهي تدرك أنه قامة سامقة من قامات الشعر العربي، اسمه صار قرينا بالعربية كلغة وثقافة، مثلما هو الشأن بالنسبة للكاتب الفرنسي فولتير في اللّغة والثّقافة الفرنسيتين.

من شعراء الجاهلية إلى أحمد مطر والشابي

نجد في الألبوم أيضا قصيدة «تذكّرت ليلى والسنين الخواليا» للشاعر امرؤ القيس، أحد أكبر شعراء العصر الجاهلي، أدّتها في أغنية «فيا ليلى»، بشكل رومانسي، يتماهى مع روح القصيدة، بعزف متناوب بين العود والناي، ويقول مطلع القصيدة المُغناة:

«تَذَكَّرت لَيلى وَالسِنين الخَوالِيا/ وأَيّامَ لانَخشى على اللَهوِ ناهِيا»

كما احتفت أيضًا بشاعر جاهلي آخر، وهو زهير بن أبي سلمى، الذي يُعتبر أحد أشهر شعراء العرب، وحكيم الشعراء في الجاهلية، كما أنه أحد الثلاثة المقدّمين على سائر الشعراء حسب النقاد العرب وهم: امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني. من خلال قصيدته الطويلة«أمِنْ أُمّ أوْفَى دِمْنَة ٌ لمْ تَكَلّمِ»، والتي جاء فيها البيت الشعري المعروف:«سئمت تَكاليف الحَياة وَمن يَعِش/ ثَمانين حَولا لاأَبا لَكَ يَسأمِ».
مواقف والتزامات سعاد ماسي النضالية، تجسّدت خاصة في اختيارها قصيدة ثورية  للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، أهدتها – كما صرحت – لشباب الربيع العربي، في مواجهتهم للأنظمة العربية الاستبدادية.  وهناك أيضا قصيدة غنّتها للشاعر العراقي المقيم في لندن أحمد مطر، تحمل عنوان: «الشعب يريد الحرية».

في الألبوم أيضا، مقاطع من قصيدة فلسفية معروفة، ومثيرة للجدل، للشاعر اللبناني ايليا أبو ماضي، وهي قصيدة «الطلاسم»، والتي سبق أن غنى أبياتا منها عبد الحليم حافظ بلحن من الموسيقار محمد عبد الوهاب، إلا أن المطربة الجزائرية غنتها بلحن وتوزيع موسيقي مختلف عن عبد الحليم.

سعاد ماسي تتحدّى

خلاصة القول، أن ألبوم « المتكلمون» لسعاد ماسي، ألبوم ناجح بكل المقاييس، استطاعت من خلاله أن تثبت جدارتها على السّاحة الفنية العربية والعالمية، من خلال رفعها التحدّي، لحنا وغناءً واختيارًا شعريا، لقصائد صعبة من الشعر العربي القديم، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ الأغنية العربية المعاصرة، لم تعتمد الفنانة الجزائرية البسيطة جدًا في ملبسها وحضورها الجسدي، على جمالها وأنوثتها، كما هو الشأن عليه الآن بالنسبة لمطربات عربيات شهيرات، ولكنها اعتمدت على نزاهتها، وموهبتها وإخلاصها للفنّ الأصيل.

صاحبة «مسك اللّيل» تكاد أن تكون الوحيدة من المطربات العربيات التي تلحّن أغانيها بنفسها، وتحسن العزف على جميع الآلات الموسيقية تقريبًا، كما ترافقها قيثارتها في جميع السّهرات التي تحييها.

سعاد ماسي الفنانة الملتزمة والمثقفة، التي تحسن الحديث باللغات الثلاث: العربية، الفرنسية والانجليزية، فنانة ذوّاقة للأدب والشّعر والسّينما، تقاسمت مؤخرا البطولة مع خالد أبو النجا، في الفيلم الفلسطيني«عيون الحرامية» لنجوى النجار، إيمانا منها بدور الفنّ في دعم القضية الفلسطينية، وحققت تحدّ آخر في ميدان التمثيل.

ابنة حيّ «باب الوادي» العتيق تجسّد بامتياز عبقرية المرأة الجزائرية وتفوّقها، عندما تتيسّر لها سُبل تحقيق ذاتها.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب عز الدين: أريدهم فقط “يخلّوني طرانكيل”

قبل رحيله ، كانت صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، قد أجرت حوارا مع المطرب الراحل …

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …