الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

بوعلام صنصال.. في إثر هويّة مستحيلة

د. إسماعيل مهنانة

ربّما تكون رواية «شارع داروين» (غاليمار، 2011) للكاتب الجزائري بوعلام صنصال(1949)التجربة الروائية الأكثر نضجا وألمعية، ليس في مسيرة الكاتب فقط، وإنما في كلّ كشكول الرواية الجزائرية الجديدة.

ليس من باب الصّدفة أن ينال الكاتب، فور صدورها، جائزة المكتبيين الألمان، وتحصل الرّواية ذاتها على جائزة الرواية العربية في باريس، فهي تنتمي إلى ذلك الصنف الباذخ من النّصوص الموشّحة بطيات التاريخ والفنّ السردي والأسلوب المُدهش. «كلامي هو البيت السرّي للأسلوبية» كتب صنصال.

يستمدّ نصّ «شارع داروين» كلّ قوّته من الموقع التخومي الذّي يحتلّه بكل أريحية، بين الرواية والسيرة الذّاتية، ينغرس السّرد عميقا داخل الوقائع التاريخية الفعلية، بشخصيات حقيقية بطلها الأساسي(يزيد) –  الكاتب نفسه – وهو يخوض تحقيقا دقيقا حول هوّيته وأصوله وعائلته، لكنّ السيرة كُتبت أيضا بلغة سردية تجمع في قبضتها كل خيوط فنّ الرّوائي.

القصّة عبارة عن فلاش باك طويل، يعود بالحكاية إلى أغوار سحيقة من الذّاكرة والكاتب يتفرّس وجهه على مرآة الزّمن/السرد، فبعد وفاة والدته دّقت ساعة الأرشيف المنسي، الحكاية المسكوت عنها بكل تعقيداتها النفسية والأنطولوجية والثقافية، حكاية البطل/الكاتب بوصفه ابنًا غير شرعي.

ولد يزيد سنة 1949، في قبيلة كبيرة كانت تديرها جدّته، قبيلة ثريّة أقامت كل اقتصادها على تجارة الجنس وبيوت الدّعارة المنتشرة في شمال أفريقيا وفرنسا، فبعد أن سلب الاستعمار كل أراضيها كان ذلك الاقتصاد اختراع جدّته التي استلمت زعامة القبيلة وهي في الثامنة عشر، «الدعارة في المواخير اكتسبت قوانينها التي تنظّمها وتحميها، لقد دخلت رسميا في اقتصاد البلاد» قال الرّواي.

كان استثناءً تاريخيا أن تتزعم امرأة قبيلة ذكورية وتخترع لأفرادها هوّيات ومصائر غريبة إلى حد الهجنة، أشبه ما يكون بانقلاب أموسي يدشّن تاريخا جديدا.«لقد بدأ زمن النساء، تأنّثت القبيلة بشكل لايكون فيه الرّجال إلا ظلال باهتة» يضيف.

فالأب الذي قد لايكون ابن الجدّة وإنما ابن اختها توفّي سنة 1957، وقد اشتعلت الحرب في كل مكان، لهذا هربت أم الطّفل من الماخور الكبير إلى العاصمة وتزوّجت هناك، ليلتحق بها الطفل في ظروف غامضة، معتقدا أنّها أمّه وأنّ من مات هو أبوه إلى أن يكتشف الحقيقة التي عاش تحت وطأتها:«اكتشفتُ أن أبي ليس أبي وقد مات، وأن أمّي ليست بأمي وقد اختفت، وأن أمّي الحقيقية مجهولة كانت تتصوّرني مثلما يفعل بقية المجهولين في مروري داخل بيت ممنوع وقد اختفت بدورها. لم يتبقّى إلا جدّتي التي سأكتشف فيما بعد أنها ليست جدّتي وإنما الأخت البكر لجدتي التي لم تكن بالفعل جدّتي لأن أبي ليس أبي» نقرأ في الرّواية.

بوعلام صنصال

يعيش يزيد في شارع داروين، بالجزائر العاصمة، مؤجّلا سرّه إلى لحظة حاسمة ومتوتّرة سيفجر فيها شلاّل السرد لامحالة، إلى أن تموت أمّه وهي تقول:«يجب العودة إلى داروين»، يعود لكي يعيد ترميم حكاية الأصل وحلّ اللّغز الذي يؤسس كل وجوده، حكاية«تكمن في كل حياتي، في هذه الصورة وهي مفتاحها، لكني لاأعرف في أي اتجاه عليّ أن أدير المفتاح» كتب. ربّما يكون السردُ مفتاح كل الهويات.

كعادته، يتّخذ صنصال من أسلوبيته العالية مطية لتصفية حساباته السياسية والأيديولوجية، فالرواية في وجهها السياسي عبارة عن مقدّمة لتاريخ مُضادّ للرواية الرّسمية، الثورة والاستقلال وهوية الدولة الوطنية التي ورثت النظام الاستعماري، ومساءلة جذرية عن مشروعيتها، بل إن الرواية كلها عبارة عن سردية مضادة للسردية الوطنية التي تتكأ عليها الدولة الجديدة. وهو يُشير إلى مشروعه بقوله:«يمكن القول أنه يجب توجيه أولا النّظر إلى الذّات، فالمجهول الحقيقي هو نحن ذاتنا». والرواية كلّها بيان سياسي لتنمية هويّات جذمورية مبتورة الأصل.

في الرواية نفسها نجد سردا مضادا لوقائع «معركة الجزائر»، حين يكشف العمالة المزدوجة التي تبناها كل أبطالها، بما فيهم بطل الرواية، حيث عمل الجميع لصالح الجبهتين المتقاتلتين، ولم تكن هناك أية حدود فاصلة بين الخيانة والوطنية بالشكل الذي ستظهر عليه بعد الاستقلال، حين يقوم النظام السياسي بسنّ قوانين هويّاتية تجبر نصف المجتمع على المغادرة:«ثمة معلومة تدور مفادها أن الحكومة قد أوكلت قبل عشرين سنة إلى انجاب جيل صغير وجديد مهمّة إنهاءنا إلى آخر فرد، لكي تتزوّد بشعب جديد مندمج وبٍكر مقاتل بلاهوادة تفتخر به الأمة العربية والله لقرون طويلة» يقول الرّاوي.

غلاف الرواية

كل كتابات صنصال تصريف سردي للمرارة المضاعفة، مرارة شخصية تكشف عنها كلّ تفاصيل «شارع داروين» ومرارة أيديولوجية وسياسية نتيجة للسياقات التي سار فيها تاريخ الجزائر، ابتداء من سياسة الهوية المخترعة التي ساقت البلد في خيارات قومية باهظة الثمن وزجّت المجتمع في ظلام الأصولية العاتية، إلى الخيارات الاقتصادية التي قامت على سياسات تأميم الأراضي والممتلكات الخاصّة، والتي لم تورّث إلا الضغائن والأحقاد كقنابل موقوتة ستنفجر لاحقا، ولهذا نجده يكرر مع ألبير كامي قوله:«أن تحيا هو أن تحمل الحداد في ذاتك، أن تحيا هو أن ألا تستقيل».

يعود النّص في كلّ مرة للبحث عن جذور لمأزق الأصولية الدينية، ويُقارن بين مظاهر الدّين في طفولته وفي مشهد «الطُلبة»، قرّاء القرآن في المآتم، صباحا بصوتِ أجشّ، أولئك الشرهون إلى الأكل، الذين استيقظ ذات جنازة على حشرجات أفواههم وهم يلعقون الحساء فجرًا، وبين مظاهر التدّين الجديد حيث نُعاصر الحداثة دون أن نلجها:«صرنا نقذف بقُرص قرآني في قارئ إلكتروني ونتركه يدور بقدر ما نشاء، لم يعد السّحر يسري بالطريقة نفسها فقد صار يخاطب الحواس بأقل مما كان، ويذهب رأسا إلى المركز الحسي للدّماغ إنه التخريب الحقيقي الذكي والنهائي».

تنحت الرواية معادلات موضوعية واضحة وقويّة لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال، فالجدّة التي استطاعت أن ترسي امبراطورية مالية واقطاعية من الأعمال والممتلكات تعادل الوجود الفرنسي في شمال أفريقيا، ولهذا كان يشيد بمكرها وقوّتها ولايخفي تواطأها المعلن مع السلطة الاستعمارية:«في غرفتها تأنُّ جدّتي بالكثير من الحقائق، كانت موهوبة مثل كل الدكتاتوريين، لكن التباكي عندها كان فنّا تتقنه بدرجة عالية، كان جزء من نظام الحكم لديها». كما أن أمّه التي ليست أمّه تشير دوما إلى جزائر الاستقلال بكل ما يشي به من علاقته المرتبكة بهما. فالكاتب حين يعترف بكونه لقيطا وطفلا مقطوع الانتماء إنما يوصّف حالة جيل بأكمله، الخيل المخضرم بين وطنين ولغتين، بل الجيل الممزّق بين ثقافتين وهوّيتين، فلاهو يستأنس بالأولى كاملة، ولاهو اندمج في الثانية كلّية:«كُنت طفل العدم والخيّانة وكان يجب أن أشعر بالوحدة والحزن مسحوقا تحت العار كما سأكون طوال حياتي» يقول صنصال.

يخلص التحقيق الّذي خاضه صنصال في روايته إلى نتيجة وجودية مفادها أن الأهمّ هو الوجود الفردي خارج كل الشرانق والانتماءات، وأن هذا الهوس بالبحث عن الأصول هوس مرضي يفوّت على صاحبه الحياة بمتعها ومغامراتها واستحقاقها الأصيل بالمعيش:«ما أنا عليه هو نتيجة الصّدف، صدف لاتدهش حتى، كلّ يأتي من مكان ما، من عائلة، من قرية، من عصبة، من ثقافة، من تعاسة ما، مغامرة جميلة، لايوجد ما من أجله نخترع معجزة» كتب.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …