الإثنين، 21 سبتمبر 2020

بوجدرة والشروق.. وجهان لعملة واحدة

رشيد بوجدرة في برنامج المخكمة

سنة 1883،  كتب الفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه «هكذا تحدّث زاراتوسترا» أنّ الإله قد مات، وعندما مات نيتشه سنة 1900 علّق البعض أنّها رسالة من الإله. وهنالك صورة على الفايسبوك تمثّل هذه العبارة، تصوّر قبرين بجانب بعضهما البعض.

ما تابعناه هذه الأيام على قناة «الشروق تي في»، مع الكاتب رشيد بوجدرة، يشبه المفارقة السابقة، بين نيتشه والإله. سنسرد قصة خرجة بوجدرة الإعلامية باختصار، للذين لم يتابعوا تفاصيلها، قبل أن نسقط المفارقة على القصة.

نزل بوجدرة يوم الأربعاء الماضي ضيفا على برنامج «المحكمة» في قناة الشروق تي في، وهو برنامج يهتمّ باستضافة شخصيات عامّة «مثيرة للجدل» حسب وصفهم، تجعلهم يقسمون في بداية الحصّة على أنّهم سيكونون صادقين في إجاباتهم.

بوجدرة رفض أن يقسم بالله منذ البداية، لأنه حسب قوله ملحد لا يؤمن إلاّ بالماديات وأقسم برأس أمّه، التي قال لاحقاً أنّه لم يمشِ في جنازتها ولم يزر قبرها.. ومع بداية مماثلة ظلّت مقدّمة البرنامج تردّد عليه أسئلة حول معتقداته والدّين الإسلامي، ووصل بها الأمر أن سألته: «هل تؤمن بالله؟». فأجاب بلا، ثم سألته: «هل تؤمن بمحمد رسولاً؟»، فحاول أن يفهمها أنّ الجواب الأول ينفي بقية الأسئلة، لكنّها لاتسمع. فهدف البرنامج ليس الحصول على أجابات منطقية، بل التأكيد على نقاط معيّنة، بلا احترافية، حتى ينال المشاهد/المستهلك جرعته من «الفُرجة» والإثارة، وهو يرى لأوّل مرة على شاشة جزائرية رجلاً جزائرياً مثله، ينفي وجود مقدّسات الأمّة.

ما اعتبره البعض على أنّه كاريزما وقوّة شخصية لمقدّمة البرنامج، هو ليس إلاّ تجسيداً للشعبوية في دركها الأسفل، حيث أنّها لعبت دور الشخص الذي يهيّج الأسد في السيرك ليهلّل المتفرجون، فبالنسبة لها كانت هي في مأمن، مسلمة متديّنة رغم أنّها – كما كتب الصحافي حميدة عياشي – سافرة ومتبرجة بالمعايير «الشروقية»، إذا مسلمة متديّنة تفهم في الدين وغارقة فيه، تزايد على رجل «يهلوس» و«يكفر» على المباشر!

مع نهاية البرنامج، اشتعل الفايسبوك، وتناسلت آلاف التعليقات، بين مؤيدين ومكفّرين ومعارضين. نسيَ مؤيدو بوجدرة وحرية التعبير، وحرية الضمير لوهلة خرجات بوجدرة الإعلامية السابقة، حيث أنّ الرجل يعشق التصريحات «النارية» (أستعير هنا وصفاً شروقياً) ضد الجميع، وذلك ما يكسبه أعداءً وشهرة أكبر، حسب تفكيره. لم يظن المتابعون (وكاتب السطور واحد منهم) أنّ الرجل يريد أن يقوم بدعاية لنفسه.. الدعاية في كل شيء إلاّ هذا! لن يعرّض الرّجل نفسه للخطر من أجل دعاية! خاصة وأنّه زبون قديم لدى مجمّع الشروق، وقد سبق وأعلن إلحاده على جريدة الشروق منذ سنوات.

لكن، بعد يومين من هذه الحلقة، يخرج بوجدرة عبر جريدة الشروق مرّة أخرى، حيث أنّها قد صارت مرسال فاطمة بينه وبين الغاشي الجزائري، خرج في تصريح (وقبله في فيديو من وهران أين كُرّم في إطار مهرجان الفيلم العربي) يقول فيه أنّه مسلم وحافظ للقرآن، وأنّهم «غلطوه»، وأغضبوه وغيرها من المبررات الفارغة والتافهة، هو الذي قال أنّ رأي الناس لا يهمه ما دام المُعتقد حرية شخصية، يعود اليوم ليخبر النّاس أنّه مسلم، ما تخافوش راني مسلم، ما تخافوش راني حفظت القرآن مرتين، ما تخافوش راني متصوّف…

وكل هذا يمر عبر باب الشروق، التي تبحث مثله عن الـBEUZZ ، حيث لا يمكن أن ينتظر من النّاس – ما دام صار يهتم برأيهم لغاية في نفس يعقوب – أن يصدقوه، بعد ماقاله وصرّح به. هنا نجد أنّ ازدواجية المعايير واللعب على الحبلين صفتين يشترك فيهما بوجدرة مع الشروق، ما يجعلهما وجهان لعملة واحدة.

أما بالنسبة لمفارقة نيتشه، فبوجدرة أراد أن يلعب دور التقدميّ المتحرّر من الجماعة وشعبويتها، والرافض لدموية التيارات المتطرفة ورجل الكلمة الحرّة، فظهر على الشروق وأعلن «موت الخوف من كل هاته الفزّاعات»..لكن بعد يومين وبتصريحه ذاك أعلنت هذه «الفزاعات» موت ما تبقى من قيم في صاحب «الحلزون العنيد».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …