الإثنين، 21 سبتمبر 2020

مبدعو الجزائر في دهاليز التهميش

زين حمادي

بختي بن عمر

توفي، أمس، المخرج السّينمائي بختي بن عمر(عن عمر ناهز 74 سنة)، صاحب فيلمي«التاكسي المخفي» و«ملحمة الشيخ بوعمامة»، وقبله غادرنا الفنّان سيد علي كويرات، وقبلهما رحلت حسناء الشّاشة الفضية فتيحة بربار، وقبل هؤلاء جميعا رحلت قوافل من الأدباء والفنانين والمفكرين، ولم يُحظوا بأكثر من «عرجون» عُلّق على قبورهم، هكذا هو التّكريم الذي ينتهجه هذا البلد منذ نصف قرن، تكريم يقوم على التّهميش والإقصاء والتّناسي، وفي المقابل، يحتار أجانب مما يلقونه من هالات التبجيل والاحتفاء، رغم أنهم لم يشاركوا في تأثيث، ولو جزء ضئيل، من المشهد الثّقافي والفكري في الجزائر!

عدد لا يُحصى من الفنانين والكتّاب والمثقفين غير الجزائريين كُرِموا في مواعيدنا الفنية والأدبية، وفرش لهم البساط الأحمر، وحظوا باستقبال الملوك، في وقت لايتعدى فيه أبناء الوطن المكرمين في بلادهم أصابع اليد الواحدة، اللّهم إذا حققوا نجاحات ذاع صيتها خارج الحدود، أو هم وجدوا انفسهم على بعد خطوة واحدة من الموت.

لماذا؟ هل هو الحسد على الطّريقة الجزائرية، أم لأن فنان الحيّ لايُطرب أبناء الحيّ؟ لماذا يكتفي آلاف من الجزائريين بالاطلاع على إبداعات فناني بلدهم ومثقفيه عبر القنوات الفضائية، ولايكتشفون الراحلين منهم سوى عبر مواقع التّواصل الاجتماعي؟

منذ السّبعينات، اقتحمت الثقافات الغربية والعربية يوميات الجزائري، في وقت كانت فيه الثقافة الأصلية للبلد تُحارب بالهراوات والمقصّ، وأصوات مبدعين تكمّم وأخرى تُنفى وتُهجّر وتُسجن، كانت حينها أغاني إيدير وآيت منقلات وسليمان عازم والشّيخة الريميتي ممنوعة من البثّ في الإذاعة والتلفزيون، واستمر منعها أكثر من خمس وعشرين سنة، وكان مجددوا الرّاي والقناوي يعزفون موسيقاهم في دهاليز وغرف مظلمة، بينما تحوّلت الأغاني المصرية إلى أناشيد وطنية، قبل أن يغزو الإسلام السياسي المشهد الثقافي، فيأتي على الأخضر واليابس رافعا شعار «الفنّ حرام»، و«المثقفون كفار»، وبدأت آلة حصد الأرواح تستهدف أبرز المثقفين والمفكرين والمسرحيين والإعلاميين. وانتهى أخيرًا الإرهاب، لكن السّلطة لم تفكّر يومًا في تشييد نصب تذكاري تخليدا لأرواح أكثر من 200 مثقف ومبدع وصحافي راحوا ضحية سنوات الدّم.

الريميتي

كل من يعود من ستار أكاديمي أوأكس فاكتور، أو أي برنامج تلفزيوني، من الدّرجة الثالثة، يبثّ عبر واحدة من القنوات الأجنبية، يصير«نجمًا»، لاتغيب عنه أضواء تلفزيوناتنا الخاصة والعمومية، التي بالكاد تمنح من وقتها الثّمين فسحة ضيّقة لمبدعي «الدّاخل»، حيث تذبل المئات من الأصوات اليافعة في دهاليز الصّمت، قليل منهم فقط «خرج من الغرقة» بعدما التقى موزعا موسيقيا أوروبيا أوصاحب دار نشر مشرقية.

حتى من كسروا القاعدة، وحققوا قسطا من النّجاح في السّينما الجزائرية، وصنعوا حضورا متواضعا في الحقل الأدبي أوالإعلامي، تتم مطاردتهم بالحروب النّفسية تارة وبالفتاوى الدّينية تارة أخرى. وتحاصرهم المشاكل الاجتماعية من كل حدب وصوب بسبب غياب قوانين تحمي حقوقهم الفكرية، وتكفل لهم التداوي في مستشفى محترم. أما من كانوا في الواجهة دوما وسيظلون فهم مداحو «البلاط»، ومن ينتقد أويطرح الأسئلة الجريئة أويقدّم أعمالا تخرج عن المألوف، فسيمضي به القدر إلى ثلاث نهايات لارابع لها: إما أن يأوي داخل قوقعة النسيان، أويسل سيفه لمواجهة طواحين الهواء، أويحمل الحقيبة إلى غير رجعة.

حدّة بقار

ربما كان الشاب خالد والكاتبة أحلام مستغانمي والفنانة وردة ومشاهير كرة القدم أكثر حظا عندما تقاطعت أقدارهم مع مجتمعات أخرى، قدّرت إبداعاتهم ومنحتهم الفرصة لإظهار مواهبهم وعبّدت لهم طريق الشّهرة والمجد، فلو لم يستقلوا الطائرة لانتهى بهم الأمر مثل عرّابة الأغنية البدوية بقار حدّة(1920-2000) التي ماتت مرتين، مرة عندما قطع أهلها أنفها عقابا لها على صوتها المنفرد، ومرّة أخرى عندما قضت آخر أيام عمرها وحيدة، متسوّلة ومتشردة، ووُجدت ذات صباح جثّة باردة في أحد شوارع مدينة عنابة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …