الأحد، 9 أغسطس 2020

البوب آرت.. من الفايسبوك إلى الشارع

تنتشر على صفحات الفايسبوك، اليوم، صورٌ كثيرة تُمثّل علامات وأيقونات من الثّقافة الشّعبية الجزائرية، كصوّر ممثلين ما، من أفلام قديمة، اُخضعت لروتوشات لتُقدّم للمتابع بشكل وسياق جديدين.

صارت هذه الصّور شيئاً أساسيا من الفضاء الافتراضي المحليّ، يتداولها مستخدمو الإنترنت من خلال بعض صفحات الفنانين، فالصّورة اليوم طغت على الأشكال التعبيرية الأخرى، مثل النصوص، وصارت تزاحم الفيديوهات.. هُنالك فنّانون جزائريون شباب يُكرّسون وقتهم لهذا الفن، والذي يُعرف بالبوب-آرت.

الاتكاء على الثّقافة الشّعبية

ظهر البوب-آرت (pop art) في الخمسينيات من القرن الماضي في بريطانيا، ثم انتقل إلى أميركا، هو فنّ بصري يستوحي أعماله من الثّقافة الشّعبية السّائدة، والعناصر البصرية فيها. و«الثقافة الشعبية» (pop culture).

من هذه الثقافة الشعبية يأخذ فنانو البوب-آرت في الجزائر مادتهم البصرية (صُور، أفلام، مُلصقات السّلع القديمة، شعارات من وقت الحزب الواحد، إعلانات قديمة، سلع وأشياء كانت تستعمل في فترة ما من حياة المواطن..)، يأخذون منها تفاصيلاً يعزلونها ويعيدون تقديمها من جديد، أويعيدون رسمها بطريقتهم، وبما يُناسب الموضوع المطروح في العمل.

نلاحظ أيضاً أن الأيقونات والرموز الشّعبية التي يعمل عليها هؤلاء الفنانين، هي أيقونات تهمّ جيلهم بالأساس، المولود بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات، نرى تكرّر رموز مثل الممثل عثمان عريوات،  حذاء الأديداس الستان- سميث المُرتبط بأحداث 5 أكتوبر 1988، شعار شركة سوناطراك للمحروقات (في إشارة لأكبر مؤسسة في البلاد وقضايا الفساد التي ارتبطت بمسؤوليها)، وفي الوقت نفسه نجد وجوه شهداء الثّورة التحريرية ووجوه كتّاب وصحافيين راحوا ضحية العشرية السّوداء، سنوات التسعينيات.

#شد_في_الأصل

الموسطاش واحد من أهم فنّاني البوب-آرت اليوم، وأغزرهم إنتاجًا، وهو يهتمّ كثيرًا بالأيقونة، يطرح على نفسه أسئلة مثل: «كيف يُمكن لشاب جزائري أن يلبس تي-شيرت عليه صورة للعربي بن مهيدي بدل صورة تشي غيفارا؟» أو«كيف يُمكننا استعمال تفاصيل من المنمنمات والنّقوش الإسلامية المغاربية، والتي تجد جذورًا لها في الثّقافة الأمازيغية، في تزيين أعمال حديثة؟»، لذلك تتردّد رموز مثل «الخامسة»(أو يد فاطمة كما يسميها البعض) وحروف أمازيغية في أعماله.

من أعمال الموسطاش

يشتغل الموسطاش أيضاً على مواضيع «السّاعة» مثلما تنعتها الصُحف، لكنّه لا يستعمل المادة البصرية نفسها التي يستعملها مع الأيقونات، يقول أنّ عمله على الأيقونات والرّموز الشّعبية «إيجابي» أكثر من الصّور التي يعلّق بها على قضايا سياسية أوما شابه، مثل سلسلة الصوّر التي ينشرها منذ مدّة، وقد تحوّل بعضها إلى غرافيتي مرفقا بهاشتاغ: #شد_في_الأصل.

من أعمال الموسطاش

إنهم يحتلون الجزائر

تقول ريم مختاري (رسّامة وأستاذة في المدرسة العُليا للفنون الجميلة) أنّ فناني البوب-آرت، في الجزائر، يبحثون عن الوصول إلى الجمهور بعيداً عن الطرق القديمة، وذلك بالاستعانة بشبكات التّواصل الاجتماعي، والوسائل الحديثة للتّرويج لأعمالهم، بين أفراد «المُجتمع الافتراضي الصّغير» من خلال صفحاتهم الخاصّة، أوعلى صفحات أخرى أطلقوها للغرض نفسه.

على الموقع الأزرق، صادفت أعمال بوب-آرت لمراد كريناح، فنّان شارك في معارض وورشات عديدة، في الجزائر وخارجها، أنجز سلسلة صور حول الشّاعر جان سيناك، كانت صورة صاحب «صباحات شعبي» تتكرّر بعدة ألوان، وفوقها أجزاء من نصوص له أومن مراسلاته، إضافة لعمل آخر للكاتب طاهر جاعوط. لكن أعماله تواصلت لاحقاً مع جداريات ورقية ضخمة عرضها أكثر من مرّة، مثل تلك التي عُنوانها: They Occupy Algiers (إنّهم يحتّلون مدينة الجزائر)، أنجزها سنة 2013، لتنشرها أسبوعية الوطن-ويكاند، بعد ذلك بعامين على صفحتها الافتتاحية، أيام مظاهرات الشّرطة واحتلالهم الشوارع، في وقفة احتجاجية.

إنهم يحتلّون مدينة الجزائر

الفايسبوك بديلا للغاليري

يحي حمزة يقول:«دخلت مدرسة الفنون الجميلة ولم أكمل المشوار الدّراسي، لكنّي واصلت الرّسم في غرفتي»، ويختصّ يحي في رسم وجوه غريبة وجميلة، قد يختلف النّاظر إليها في إيجاد ما ألهمه: التراث الترڨي والنقوش الأمازيغية؟ الأقنعة الأفريقية؟ أقنعة مصارعي الكاتش؟ ربما لاهذا ولاذاك.. يرى يحي أن البوب-آرت لا ينحصر فقط في تلوين الرّموز والأيقونات فقط على طريقة أندي وارهول Andy Warhol، بل هناك أشكال أخرى للتصوير يُمكننا من خلالها إعادة العمل على المادة البصرية للثقافة الشعبية. «لكن يجب أن نفرّق بين الثقافة الشّعبية والثّقافة الجماهيرية(culture de masse)، والتي تحوّل الفن إلى عملية إنتاج وتجارة» يضيف. ويواصل يحي كلامه، مُشيراً إلى وجود إكثار من استعمال الأيقونة في البوب-آرت الجزائري، كحذاء الستان-سميث مثلاً والذي يرمز لأحداث 5 أكتوبر 1988، فاليوم نصادف فائضا من أعمال البوب-آرت التي تُطرح كل 5 أكتوبر، مُستعملة الستان-سميث كموضوع لها.

شبكات التواصل تكسر الحاجز بين المُرسِل والمتلّقي

يؤّكد يحي أيضًا على دور شبكات التواصل الاجتماعي في إيصال الأعمال الفنّية للجمهور، وكيف كسرت الحاجز بين المُرسِل والمتلّقي، وهنا يضرب مثالاً بصفحة عقاقير.

معيشة طالبة حشيشة

«عقاقير»، كلمة جزائرية جدًا، تنتشر منذ السّتينيات في الأحياء والأسواق الشعبية، حيث نجد حوانيتا مغبّرة وقديمة ارتفعت فوقها لافتة كُتب عليها:«عقاقير وخردوات»، تبيع كلّ ما يمكن أن يُباع في سوق شعبي، من الأثاث القديم إلى الأعشاب الطبية والمواد الكيميائية.. ويُقارب وليد بوشوشي (صاحب الصّفحة الفايسبوكية التي تحمل الاسم نفسه) الأحداث اليومية بمختلف تمظهراتها (سياسية، ثقافية، اجتماعيةن إلخ) برؤية مقتبسة من المخزون البصري للثقافة الشعبية، ربما بدافع الحنين إلى زمن ما كانت تستعمل فيه تلك الأشياء، أو فقط لإعادة استرجاع هذه المادّة البصرية عبر صور وأيقونات شعبية.

الفن في خدمة الثقافة الشعبية

يُقدّم وليد أيضاً على صفحته رسمًا فنيًا للخطّ العربي، وقد خرج هذا الرسم إلى جدران الشارع على شكل إعادة صياغة لشعارات مثل: «كـ لـ نا كـ ر ة قـ د م»، أو قلبٌ للمثل الشعبي «مـ عـ يـ شـ ـة ط ا لـ بـ ـة حـ شـ يـ شـ ـة». شارك وليد في تظاهرة(DJART 14)، التي جرت في العاصمة العام الماضي، حيث قام بوضع ملصقات صغيرة لأعماله في في حافلات النّقل الحضري. حافلات يستقّلها الجزائري العادي كل يوم، ليجد نفسه أمام صورة ملوّنة غريبة تمثّل رأساً للرئيس بوتفليقة وفوقه تاج أصفر، أو صورة لرجل يلعب بكرة… أو عبارة «مـ ن أجـ ل شـ بـ ا بـ نـ ا». لكن عمل «عقاقير» لم يكتف بهذا، أو بالمساحة الافتراضية للفايسبوك، بل نجده مثلا على أحد مواقف الحافلات وقد كتب بالفرنسية: «هنا ينام الجزائريون».

الملصقات في حافلات النّقل الحضري

اليوم، بدأ الجيل الصّاعد في التعرّف على أسماء جديدة وقوّية تُمارس العديد من الفنون البصرية، يُتابعها على الفايسبوك ويُشاركها أعمالها، وليس كما في السّابق حيث اضطر الفنانون المذكورون سلفًا إلى بدأ عملهم من لاشيء تقريبا، عدا المادة البصرية المتوافرة لهم، عدا أعمال دونيس مارتينيز البارزة، لم يكن هنالك مفهوم البوب-آرت ولا عمل على الرّموز (من دون إفراط يوقع صاحبها في خانة الفولكلور) والأيقونات في الجزائر. في الوقت الرّاهن – يقول يحي – بدأ يتشكل ما يُشبه تراكمًا للمادة البصرية، سواء في البوب-آرت أو في الغرافيتي.

لم نعرض في المقال كل الأسماء التي تعمل في المجال نفسه، وربما هنالك أخرى تنشُط على شبكات التواصل، ولم نكتشفها بعد. لكن يُمكن أن نذكر للقارئ بعض الصّفحات، والتي يُمكنه أن يُتابع من خلالها أهمّ ما يُنتج، من دون أموال أو دعم من السلطات الرسمية، شباب يُنتجون ويستفيدون من «مشاعية» وسائط التّواصل وجدران المُدن، مثل صفحة آرت-زنقاوي، التي يوجد بها أرشيف لا بأس به لأهمّ فناني الغرافيتي اليوم في الجزائر. أو صفحة سيڨووس والذي يرسُم صاحبها صوراً من الحياة اليومية في بعض القرى، حيث نرى وسائل النقل القديمة من سيارات ودراجات، إلخ. وصفحة إستخبار التي تعرض أعمالا كثيرة لفنانين جزائريين، أو من المغرب الكبير وشمال أفريقيا، والتي ستنضم هذه الأيام ثاني معرضا لها في مدينة المديّة.

ربما المكسب الأكبر لهذه الحركات الفنية الناشئة، عدا أنّها تسترجع رموزاً وأيقونات شعبية من الخطابات السياسية والايديولوجية، ومن كتب التاريخ ومن النسيان (خاصة النسيان) الذي يصيب الذاكرة، يقوم هؤلاء الفنانون بكسر الحاجز مع الرجل الشعبي، بخروجهم من الفضاء الافتراضي، وهو غالبا ما يكون الفايسبوك، إلى الفضاء العام:  الشارع وحيطان السّاحات العامة، أي أنّهم بعدما وصلوا لفئة معيّنة من المجتمع عبر الفايسبوك يحاولون الوصول إلى بقية الفئة عبر الجدران.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فيلم «بابيشة».. كليشيهات، فلكلور واقتباس

فيلم «بابيشة».. كليشيهات، فلكلور واقتباس

عائشة بلعابيد شاهدت قبل أيام فيلم «بابيشة» (إنتاج مشترك جزائري، فرنسي وبلجيكي) لمخرجته (وكاتبة السيناريو) …

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

من يقدر على قراءة “اللحظة الجزائرية” – الآن – حيث تتشرذم النّخب المثقفة وتشتّت، مع …