الأربعاء، 21 أغسطس 2019

كلمة واحدة ومعان متعدّدة

رشيد فيلالي

1

في كتاب ضخم (حوالي600 صفحة) يحمل عنوان «كيف نتعلم الإعراب – طريقة ملونة ومبتكرة»، من تأليف توفيق بن عمر بلطه جي (ط9، دار الوعي، الجزائر، 2012) نقرأ مقولة طالما نصادفها في كتبنا الدينية على وجه الخصوص، دون أن نمعن النّظر فيها وفي مضمونها، والمقولة المقصودة هي: «مات رسول الله صل الله عليه وسلم وهو راضٍ عن ربّه»!.. طبعا في الظّاهر العبارة سليمة لغويا وقد استشهد بها الكاتب في سياق كلامه حول بعض القواعد العربية، وبطريقة تبدو آلية وتلقائيا جدا، كما لو كانت عبارة عادية لاتحمل أي غرابة أوتناقض في محتواها، والحقيقة أن تفكيك العبارة محلّ مناقشتنا هنا يكشف عن نزعة اعتباطية وغياب المسؤولية العلمية، ولاسيما مع انعدام الأخطاء المطبعية في هذا الكتاب وهو مايحسب للمؤلف والناشر، على اعتبار أن هذه المقولة سوف يتكرر استعمالها لدى الكثيرين بلا وعي، مثلما يحصل مع العديد من العبارات التراثية المماثلة والمكرّرة جراء الجهل وغياب الحسّ النّقدي العقلاني، ولنسأل أنفسنا، لقد مات النّبي صل الله عليه وسلم وهو راض عن ربه، وهل يملك صل الله عليه وسلم الاختيار في أن يرضى أولايرضى عن ربه؟ ولووردت العبارة على النّحو التّالي:«مات الرسول صل الله عليه وسلم وربه راض عنه» فإن العبارة هنا ستكون سليمة ومعقولة ومفهومة، لأن الله راضٍ عن نبيه الكريم، كونه فضله عن الكثير من خلقه واصطفاه رحمة للعالمين، وذلك لحكمته وسموّ شخصيته وروحه النّبيلة، ومن ثمّة فإن رضا الرسول صل الله عليه وسلم يبقى واجبًا ولايحقّ بتاتا أن تخالطه ولو ذرة من الرّيبة والشّك، مثلما تلمح المقولة المذكورة إليه ويرددها الكثير من المتعلمين بطريقة ببغائية مخجلة.

غلاف الكتاب

2

قلت من قبل أن اللّغات لها بعد ديني، حتى في أكثر مفرداتها تحررًا، أوتلك التي تبدو لنا عصرية من حيث الاستعمال طبعا. لنأخذ على سبيل التّدليل فقط كلمة (HOLIDAYS) بالإنجليزية(عطلة الصّيف)، فهذه الكلمة كانت تعني في القرن الرّابع عشر الأيام المقدّسة التي عادة تخصّص لممارسة العبادة والصلاة لدى المسيحيين قبل أن تتغيّر دلاليا وتكسب معنى مغايرًا هو العطلة، والكفّ عن العمل مؤقتا، وهناك أيضا كلمة(Богачиبوغاتشي) الرّوسية تعني الغني وهي للعلم مأخوذة من كلمة( богبوغ) أي الرّب، وكأن الغني في مفهوم الروس إنسان مدلّل وله حظوة خاصة لدى الرب.. فتأمل.

عند الإنجليز، العطلة تعني العبادة

3

في العادة، يستعمل المشارقة اسم البنطلون للدلالة على اللّباس الذي كان يقتصر ارتداؤه على الرّجال فقط (قبل أن يعمّم على الجنسين)، وذلك في مقابل استعمال سكان المغرب العربي لاسم السروال، ذي الأصل الفارسي، ومعلوم أن كلمة البنطلون أصلها إيطالي وتحديدا من مدينة البندقية، حيث كان الإيطاليون يطلقون على سكان البندقية اسم «بنطلوني»(Pantalone)، وذلك نسبة إلى قديس المدينة بنطليونيPantaleone، وفيما بعد أُطلق الاسم على مهرج، في الكوميديا دي لارتي، إبان القرن السّادس عشر، وكان يرتدي سروالا خاصا طويلا قبل أن يطلق الاسم على السروال ذاته، وتنتشر التّسمية فيما بعد ضمن جميع لغات العالم.. فتأمل.

كلمة البنطلون أصلها إيطالي

4

يوجد تعريف لكلمة «البنك» في قواميس اللّغة العربية التي تعتبرها كلمة عربية خالصة، وإن كانت هناك كلمة فارسية شبيهة  ذكرها الأزهري وهي بنك بكسر الباء، وتعني على غرار العربية أصل الشيء، وتقول العرب قديما تَبنّك في المكان أي أقام به، بتشديد النون، غير أن مفهوم البنك كمؤسسة مصرفية ومكان لإيداع الأموال يعدّ مفهوما أجنبيا دخيلا، حيث أن أصل كلمة «البنك«، مأخوذ من الكلمة الإيطاليةbanca التي لا تزال تستعمل في اللّهجة الجزائرية بالنّطق نفسه، وكانت هذه الكلمة في القرن الخامس عشر تعني طاولة التّاجر، ثم تطوّرت دلاليا لتعني فيما بعد مؤسسة الائتمان، حيث كان موظّفو المصارف في أقليم لومبارديا الإيطالي يمارسون نشاطهم المهني بوضع طاولات في أماكن مفتوحة على الهواء الطّلق، ثم بعدها، عندما استقر موظفو المصارف الإيطالية بمدينة ليون الفرنسية، تكرّس مفهوم البنك كمصرف،  والذي انتقل بعدها إلى اللّغة العربية ولغات أخرى بالمعنى ذاته.. فتأمل.

بنك كانت تعني طاولة التّاجر

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …