الأربعاء، 21 أغسطس 2019

العنصرية في المصطلحات العلمية

1

أكدت لي البروفيسورة وعالمة الاجتماع الأمريكية آن مورنينغ، في حواري معها، أن المصطلحات العلمية، المتداولة حاليا في الأكاديميات العلمية، ملوثة بالنزعات العنصرية، وحقيقة أنني من خلال حفرياتي المتواضعة في أسس الكثير من المعارف ومصادرها اكتشفت صدق ما ذهبت إليه هذه العالمة الكبيرة، حيث بمجرد أن نفكّك أسس وأنوية مفاهيم علمية يتم التعامل معها وكأنها مسلمات مقدسة، يتبين لنا هشاشة واعتباطية هذه المفاهيم وحتى زيفها الكلي، وأنها في بنيتها الجوهرية ليست سوى أساطير لافرق بينها وبين الأساطير القديمة المشبعة بالتهويمات الخيالية.

وفي هذه الوقفة أريد التّطرق إلى واحدة من هذه التخاريف الشائعة الآن وكأنها حقيقة علمية ثابتة، وأقصد بكلامي مسألة تصنيف اللّغات ضمن عائلات ونسبتها إلى أسماء توراتية، وهم أبناء آدم: سام وحام ويافث، حيث ذهب عدد من الباحثين إلى إدراج لغات مثل العربية والآرامية والعبرية، إلخ تحت مصطلح اللغات السامية واللغات البربرية والإفريقية لغات حامية، وهكذا دواليك.

وبناء عليه، فقد صار العبرانييون سكان دولة الكيان الصهيوني ضمن التصنيف المذكور ساميين يتحدّثون لغة سامية، يحدث هذا مع أن أغلب سكان الكيان الصهيوني هم من يهود السفرديم، أي الذين قدموا من شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) فضلا عن مناطق أوروبا الأخرى، مثل أوروبا الشرقية وألمانية وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وأستراليا وغيرها، وكل هؤلاء كما هو واضح من غير الساميين، والمضحك في الأمر أن كل من ينتقد الآن اليهود يعتبر معاديا للسامية، حيث صار هذا المصطلح حكرا عليهم، بمعنى أن من ينتقد العرب مثلا، لايعتبر معاديا للسامية في عرف الذين تبنوا هذا المصطلح الغريب، رغم أن العرب – إذا سلمنا جدلا بصحة تسمية السامية أصلا – أكثر سامية من يهود الكيان الصهيوني، ومن جهة أخرى نشير إلى أن هذه المصطلحات التوراتية لا تستند إلى أي فرضية علمية أوحقيقة بيولوجية معترف بها، كون البحوث الجينية الراهنة كشفت بما لايدع مجالا للشّك أنه لايوجد جنس وسلالة نقية، فكلنا خليط من الجينات المختلفة، بحيث قد يحمل العربي جينات مشتركة مع ساكن صحراء كالاهاري وأشقر شارع وول ستريت وقبائل السيو أوالإسكيمو، ومن يزعم أنه من سلالة نقية فهو يخرف ويهرف بما لا يعرف.. فتأمل.

مصطلحات علمية ملوّثة بالنزعات العنصرية

2

في اللّغة العربية هناك كلمات يمكن نعتها ﺑ«المخنثة»، بمعنى يجوز تذكيرها وتأنيثها في الوقت ذاته(في بعض اللغات الأوروبية تسمى الحيادية مثلما هو في الألمانية)، من هذه الكلمات نذكر مثلا السراط، الطريق، البئر، الرقبة والسوق، وسبب هذه الظاهرة اللغوية الشاذة يعود إلى كون لهجات بعض القبائل العربية تختلف في تذكير وتأنيث عدد من الكلمات، حتى الكلمة التي تبدو لنا مذكرة في الظاهر، قد تؤنث أحيانا على غرار كلمة «الذهب»، فهي مذكرة لكنها استعملت في صيغة المؤنث في القرآن الكريم، وكلمة ضلع أيضا مذكرة وهي تؤنث أيضا، لكأن الضلع رحم يولد، تماما كما ورد في أسطورة خلق أمنا حواء من ضلع أبينا آدم عليه السلام.

ولابأس أن نخوض هنا قليلا في ميدان التشريح والأنثروبولوجيا، فاللّغة ليست وعاء فارغا، بل هي بساط المعرفة وبيت الكينونة كما يقول هايدغر. هل تعلم مثلا أن البشر في غالبيتهم يملكون 12 ضلعا مزدوجا(24)، لكن ربع البشر له 13 ضلعا مزدوجا، غير أن الأعجب من هذا كله أن المنغوليين(المغول) لهم11 ضلعا فقط. لماذا؟(لاجواب)، والشّيء العجيب أيضا أننا نحن البشر نولد ﺑ350 عظم وعند اكتمال النّمو في سنّ 25 عاما يصبح عدد عظامنا 206(الحصان له 205 عظم أي أقل منا بعظمة!)، لكن عند الكبر الرجال يحافظون على كل عظامهم، أما النساء فتضمر وتزول نصف عظامهن. لماذا؟(لاجواب)، ويبقى في الأخير الإشارة إلى أن كلمة الهيكل العظمي«squelette» الفرنسية أصلها كلمة إغريقية تعني «الجفاف»!.. حيث تحيل هذه الكلمة إلى عودة الإنسان إلى أصله، ووقتها تجف عظامه وتتحوّل إلى رميم، باستثناء عظمة العصعص التي تقع في عجز الإنسان والكلمة مشتقة من العُص وهو الأصل الكريم، والذي – كما تقول الأسطورة – منه نبعث من جديد.. فتأمل.

نحن البشر نولد ﺑ350 عظم

3

يفتخر الفرنسيون بصناعة عدد كبير من أنواع الخبز والخبز المحسن، حيث ينظمون أعيادا سنوية من باب التعريف بهذا التراث المحلي، الذي عمت شهرته العالم أجمع، وإذا كان من المعروف والشائع الآن أن خبز الكرواسون اللّذيذ يعدّ صناعة فرنسية بامتياز، وفخرا قوميا لهذا البلد، إلا أن الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، فهو في الأصل صناعة نمساوية محضة وانتقلت إلى فرنسا، وهناك عرف هذا الخبز بعض التغيير البسيط في تركيبته.

وتعود قصة اختراع هذا الخبز تحديدا إلى عام 1683، الذي شهد حصارا كبيرا لمدينة فيينا النمساوية من طرف العثمانيين، وليلة الهجوم كان الخبازون في هذا البلد المعروف عنهم قيامهم باكرا لصناعة الخبز وتسويقه ساخنا مع مطلع الشمس، فلما سمعوا وقع الأحذية العسكرية دقوا ناقوس الخطر، الأمر الذي دفع بالجيش المحلي إلى صدّ الخطر والانتصار في هذه المعركة التاريخية الحاسمة، وتخليدا لهذا اليوم المشهود قام الخبازون النمساويون بصناعة خبز على شكل هلال يمثل رمز العلم العثماني، وأسموه في ذاك الحين «القرن الصغير» وبالألمانية«Hörnchen، هورنشين»، وبعدها  كان الفضل للملكة الفرنسية ذات الأصول النمساوية «ماري أنطوانيت» بجلب هذا الخبز إلى فرنسا، قبل أن يتحول إلى صناعة محلية تحمل اسم الكرواسون بالفرنسية أوالهلال بالعربية.. فتأمل.

الكرواسون ليس فرنسيا

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …