الخميس، 17 أكتوبر 2019

الزين اللي فيك والقبح اللي فينا

سعيد خطيبي

ماي 2012، التقيت نبيل عيوش، في «كان»، شربنا فنجاني قهوة باردة، وتحدّثنا عن فيلمه «يا خيل الله»، وعن المغرب الذي يحلم به، مغرب متحرّر من سلطة الصّوت المفرد، متحرّر من أصحاب اللّحى ومن أصحاب ربطات العنق، وكلّمني، في الجلسة نفسها، عن نيّته في إخراج فيلم عن الحبّ في بلده، عن العلاقات الثّنائية، بين الجنسين، وما يدور حولها من صراعات وتواطؤات.

وعاد بعدها المخرج الأربعيني إلى «مغربه»، محملا بالأمنيات، ووجد أن الحبّ ليس سوى قضية ثانوية مقارنة بقضايا أخرى، خصوصا منها الدّعارة، التي صارت ظاهرة لا يمكن السّكوت عنها، فتخلى عن القصص الوردية الجاهزة، وعن الغراميات المبتذلة، حمل الكاميرا وصوّر الحقيقة كما هي، عارية، بلا ماكياج، أخرج فيلم «الزين اللي فيك»، وعاد، مجددًا، إلى «كان»، طامحا إلى حمل الرّاية الحمراء قرب السّجادة الحمراء، لكنه نسي، في لحظة حماس معقول، أنه يعيش في بلد يرفض النّظر إلى نفسه، ويخجل من صورته في المرآة، وبدل تلقي برقيات التّهاني تلقى بيانات تنديد، ومُنع فيلمه من العرض في الصالات، قبل أن يشاهده الجمهور، وصار مخرج المغرب الجديد شخصا غير مرغوب فيه.

قبل صدور الزين اللي فيك بثمانية أعوام، أخرج الجزائري نذير مخناش، وهو من جيل نبيل عيوش، فيلما بعنوان «ديليس بالوما»، وواجه بدوره كتيبة من التّكفيريين، ترفض النظر إلى نفسها في الواقع، ومُنع الفيلم وصار مخناش أيضا شخصيا غير مرغوب فيه، هكذا، ومرّة أخرى، تتلاقى الجزائر والمغرب في صفّ واحد، وتجد سلطات البلدين المتنافرين سببا للتقارب، فقد وحّدهما المقص وخوفهما من ملامسة قاع المجتمع الهجين، الذي يعيش يوميا على إيقاع التناقضات، تناقضات تطهرها صحف النّظام وتلفزيوناته، وتعيد تدويرها وطبعها في ذهن المتلقي بشكل حسن، وتقنعه، في النّهاية، بأنه يعيش في مجتمع مسلم ومحافظ ومطيع لله ورسوله.

لماذا مُنع فيلم الزين اللي فيك؟ بسبب جرأة المشاهد وسخونتها؟ أمام بسبب لغة الحواريات وواقعيتها؟ أم لسبب آخر نجهله؟ لقد صوّر عيوش حياة الليل بشغفها وجنونها وسحرها وغوايتها وصدقها وعنفها في آن، فالجميع يعلم ماذا يحصل خلف الأبواب المغلقة ليلاً، والجميع يعرف قصص الفتيات اللواتي يعشقن الأجنبي ودراهم الأجنبي، والجميع يعلم أنهن يمارسن أقدم حرفة في التّاريخ ليس عن قناعة، وإنما لدوافع اجتماعية وأخرى ذاتية، وأن البلد ينفتح، أكثر فأكثر، على السّياحة، وفي كل بلدان السّياحة، من كوبا إلى تايلاندا، توجد سياحة جنسية، فهل منعت السّلطات المغربية الفيلم عقابا له على جرأته في قول ما يعرفه كلّ النّاس؟

المغربي، كأي عربي آخر، يعيش في دائرة الممنوعات، يُمارس المحرم ويدعي العفّة، يحيا في بيئة تعشش فيها الشيزوفرينيا، يفكر بصوت ويتحدّث بصوت آخر، فهو لا يختلف عن نظيره الجزائري، واليوم سيجسد بحرفية الدّور الذي فرضه عليه النّظام، سيتظاهر بمعارضة ما جاء في الفيلم، لكنه سيشاهده، مرّة أو أكثر، سيجد في مشاهد الممثلات وجرأتهن ما ينفس قليلا كبته وعجزه وقلة حيلته.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …