الأحد، 16 يونيو 2019

تسطيح الوعي وأسئلة المُخاض الطّويل

د. إسماعيل مهنانة

يسجّل الملاحظُ للمشهد الجزائري، منذ أكثر من سنتين، سلسلة طويلة من الجِدالات التي لاتنتهي إلى شيء، جدالات ونقاش بمناسبة وبدونها أحيانا، تدور في معظمها حول طرائق العيش واللّباس والأكل والحريّات الفردية وأسئلة الهوية والعقيدة واللغة وشروط العقد الاجتماعي المؤجّل أوالمستحيل.

قبل نحو سنتين، قامت مجموعة من الشباب بتنظيم أول إفطار جماعي، ذات ظهيرة رمضانية، بمدينة تيزي وزّو، ردّا على ممارسات رجال الشرطة بسجن كل من يُضبط متلبّسا بالأكل في وضح النّهار، كانت تلك الحركة التي سُمّيت «حركة مواطنة» بمثابة الفتيل الّذي أشعل سلسلة حركات وحركات مُضادّة داخل المجتمع الجزائري، أعادت فتح كل الأسئلة التي ظنّ الكثير أن العشرية السوداء وما أتى بعدها قد طواها إلى الأبد.

يحرّك ناشطون أوحقوقيون قضايا تُطالب بالحريّات الفردية مثل الحقّ في عدم الصّيام وحرّية الاعتقاد والضّمير فتتحرك قوى إسلامية مضادة لتحرّك قضايا الاحتشام وحماية المقدّسات والدّعوة إلى غلق محلات بيع الخمور أوإقامة شواطئ يُمنع فيها العري أوتكفير كاتبٍ.. وهكذا.

ومن جهتها، كانت السّلطة في كلّ مرّة تُلقي بطابوهات إلى الشّارع فيحتضنها الشّعب. لنتذكّر أن قضايا مثل إعادة فتح معابد اليهود أوالترخيص لمحلات بيع الخمور كانت السّلطة هي من بادرت بإشعالها، دون أن تتخذ أيّ قرار نهائي في أيّة مسألة. هل هي بالونات اختبار لقياس نضج الوعي في المجتمع؟ أم هو تحريك مدروس للمياه الرّاكدة في أعماق اللاوعي السياسي عسى تدفع النقاشات إلى كسر الطّابوهات السياسية وحلحلة العُقد الراسخة تاريخيا وثقافيا؟ أم أن الأمر لايعدو أن يكون لعبة من ألعاب السّلطة في إلهاء الجزائريين عن قضايا الفساد ومطالب التغيير المؤجّل؟

يرافع التيّار الأول باسم «مجتمع مفترض» لم يتحقق بعد، يدّعون أنّه موجود ومكتمل ونهائي مع وقف التفعيل، وينصّبون أنفسهم متكلمين شرعيين باسم قيّمه وأعرافه وتقاليده على أساس أنها واقع ناجز لا يأتيه التّاريخ من خلفه ولامن بين يديه، ويتشبّث التيار الثاني بمبدأ عالمي وهوالحقّ في الحرية الفردية، حرّية التصرّف في الجسد والروح قبل كل انتماء وهويّة، قبل السّقوط في براثن المجتمع والتاريخ والثّقافة، ما يبدو أيضا يوتوبيا حالمة لا تتكأ على أي شرط تاريخي.

أوّل مايلاحظه المُتابع لهذه الحركية هو ذلك الاصطفاف الأيديولوجي الحاسم بين تّيار إسلاموي وآخر علماني، اصطفاف قسّم النُّخب والمثقّفين والفاعلين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني إلى معسكرين بينهما برزخ لايلتقيان، بل وحجب معظم  الاصطفافات والتمزّقات الأخرى كالجهوية والإثنية واللغوية وحتى الطّبقية.. فهل نسي الجزائريّون انقساماتهم التّقليدية لصالح الدّفاع عن مشروع متصوّر لمجتمع كلّ حسب مرجعيته الأيديولوجية؟

ظاهريّا، هذا ما يبدو، أمّا في العمق فإن تلك الانقسامات/الانتماءات هي نفسها من يحرّك هذا الاصطفاف الأيديولوجي. هي بنى ثقافية لاشعورية تخترق الفرد وتحدّد كل خيّاراته وأفكاره، وهي كبُنى تتراص فوق بعضها البعض وتتدافع في لاشعور الفرد الواحد لكي تحكم كل توجّهاته. إن معظم الناشطين والمتكلّمين باسم هذه الحركات يتجنبون الإفصاح عن الدّوافع الجهوية والعرقية واللغوية والطّبقية التي تجعلهم ينحازون إلى هذا المعسكر دون ذلك، متسربلين بمفاهيم ملتبسة مثل «القناعة» و«الحقّ» و«الحرية»، وكلّها في النّهاية تجريدات ميتافيزيقية لاتحيل إلى أية واقعة ملموسة.

إننا هنا نعتبر أن تلك البنيات الثقافية والاقتصادية أدوات تحليل معرفي قبل كل شيء، فهي لاتفسّر فقط حيثيات كل اصطفاف أيديولوجي بل وأنها قادرة على تفسير هذا«التجنّب» الذي «يبديه» الجميع حين تباغته بالسؤال عن مبررات اختياره. يُعلّمنا التّحليل النفسي مثلا أن «فعل التجنّب» هو الفعل الأساسي للكبت، بل هو الكبت نفسه، فالّذي يتجنّب الإفصاح عن الدّوافع الحقيقية لاختياراته وأفكاره إنما يحاول كبتها، وحين يكبتُ هؤلاء الناشطون والفاعلون الحقوقيون دوافعهم الهويّاتية فليس إلا لكي «يظهروا» بمظهر الكونية أوالمنافح الغيور عن العقيدة والهوية والقيم المتداولة للمجتمع.

في العمق، هناك أسباب جذرية لكل هذا التجنّب، أوّلها أن الانحياز الصّريح إلى الدّفاع عن لغة واحدة من دون اللّغات الأخرى، أوإثنية أو جهة أوحتى طبقة يعرّض صاحبه مباشرة إلى تُهم الجهوية والعنصرية والبعثية والفرانكفيلية، وغيرها من أسلحة الديماغوجيا التقليدية. فبدل أن تنجح الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ الاستعمار في إرساء قواعد مصالحة وطنية صريحة من شأنها أن تُهيّئ الجزائريين لعقد اجتماعي ومشروع أمّة منصهرة، راحت السّلطة تلعب على وتر هذه التمزّقات لكي تضرب في كلّ مرّة طرفا بطرف، أو تحتمي بطرف ضدّ طرف لأن غريزة البقاء تبرر كل شيء..

لا أحد مستعدٌّ للتّنازل عن أوهامه، تقول كل قوانين الاجتماع البشري، ومجنون من يعتقد أن باستطاعته أن يوجّه كل المجتمع وجهة شمولية نحو منظومته الأيديولوجية، الفردُ في حدّ ذاته متعددٌ ومتشذّر وممزّق بين خياراته في كلّ لحظة، ولم يُسجّل التاريخ لحدّ الآن نجاح مجتمع شموليّ في الحفاظ على تماسكه لأكثر من سنوات معدودة يتهيّأ فيها لانفجار ماحق لا يُبقي ولا يذر. ولهذا فإن العمل الأساسي للسلطة منذ الحراك العربي الأخير هو«صناعة التخويف»(مواجهة فانتازمات بفانتازمات مُضادّة) ويبدو جليّا للعين النّافذة أنها تلعب في الوقت بدل الضائع، وتمدّد في عمر جلسات العلاج، خاصّة بعد أن تجاوزتها الأحداث بانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل ومواقع التسريب والتحكّم في الأخبار والمعلومات وتوجيه الرّأي. فمن جهة، تبدو السّلطة عاجزة عن إدارة هذا التدافع المجتمعي، ومن جهة أخرى تبدو مساهمة في اختراعه.

هناك أيضا إرادة واضحة في تسطيح الوعي وتتفيه الفكر عبر وسائل الإعلام الجديدة بعد فتح القطاع السمعي البصري، يبدو ذلك جلّيا من خلال سياسة اللاحسم والتردّد، حيث لم يستطع البرلمان مثلا أن يحسم أية قضية من القضايا المثارة ليتركها قنابل موقوتة في يدّ حركة الدّجالين الجدد والمشعوذين السياسيين التي لا تخدم إلا الإطالة في عمر الأزمة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …