الخميس، 17 أكتوبر 2019

جان عمروش.. نجم يغرق في الذّاكرة

جان موهوب عمروش

وحده جان موهوب عمروش صالح بين تعدّد هويات البلد الذي وُلد فيه: جزائري، أمازيغي، اِعتنق المسيحيّة وتبنّى الفرنسية لغة له. عاش، مثل شقيقته مارغريت طاووس ووالدته فاطمة آيت منصور، مؤمنا بدور الأدب في توطيد العلاقة بين المتضادين وفي تقليص الهوّة بين الأقلية والغالبيّة. اِشتغل في الإعلام الثّقافي، صاحب أشهر كتّاب النّصف الأول من القرن العشرين، لعب دورًا سياسيا هاما سنوات حرب التحرير، ثم رحل غريبا، في منفاه الاختياري، بعيدا عن قريته.. منبوذا تارة ومنسيا تارة أخرى.

ربيع 2012، أحييت بلدة إيغيل علي (جنوب غربي بجاية)، مسقط رأس جان موهوب(1906-1962)، الذّكرى الخمسين لوفاة الشاعر، بطريقة مثالية، بتدشين تمثال له وسط البلدة. لفتة قيّمة كان من الممكن أن تلقى احتفاء وطنيا.. إقامة تمثال لكاتب ما أوفنان هو تقليد غربي محمود،  نجده أيضا في بعض الدّول العربية، والمبادرة كان يمكن أن تجد صدى لها في الجزائر، وأن يُشاد بها على الأقل. لكن، ولأن المعني بالتّمثال رجل أدب، إسمه: جان موهوب عمروش، فقد حُصرت اللّفتة سريعا في إطارها المحلي، ولاقت اِنتقادات من بعض قدامى الحركة الوطنية، ومرّت كما لو أنها«لاحدث».. حصر الحديث عن الشّاعر نفسه في المناسبات الرّسميّة، تماما مثلما يحصل مع شقيقته ووالدته، يخلق كثيرًا من الجدل والتّشنج في الآراء والأحكام القيميّة حول شخص موهوب وأعماله.

الشعر كطوق نجاة من الأيديولوجيا

ما يعانيه جان موهوب عمروش من «تغييب» هي ليست حالة منعزلة، بل تشمل تقريبا جيلا كاملا من كتّاب جزائريين، عاشوا بداية القرن العشرين، في مرحلة تاريخية لم تنضج فيها فكرتي الثّورة والتّحرر بما يكفي، يُضاف إليهم جيل من كتّاب فرنسيين وُلدوا في الجزائر، ينتمون إلى ما أُطلق عليه إسم «مدرسة الجزائر»(L’École d’Alger). كُتّاب برزوا في مرحلة سابقة لمرحلة «التغيير الشّامل»، عاشوا فترة ما بين الحربين، بكل ما عرفته من شعارات جذّابة نحو بلد المُستعمر: فرنسا، أسّسوا للأدب الجزائري المكتوب باللّغة الفرنسية، بعضهم فضّل المنطق الاندماج، وبعض آخر منح نفسه هامشًا بعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي السّائد وقتها، وجزء منهم راح ضحيّة التأويل الذّاتي، وعملية الفرز السياسية – الثقافية التي عقبت جويلية 62.

ما يهمنا في حياة جان موهوب عمروش هو الشقّ الأدبي منها، وليس السّياسي، الذي يظلّ قابلا للنّقاش ولإعادة النّظر، فقد كان يُقدّم نفسه قبل كل شيء كشاعر، أمازيغي، يفكّر من داخل المنظومة السوسيو – أثنية الجزائرية التي ينتمي إليها، يصوغ عباراته في ذهنه بالأمازيغية ويحرّرها على الورق بالفرنسيّة، بحكم أنها لغة المدرسة التي تعلّم فيها. على غرار جان سيناك(1926-1973) وآنا غريكي(1931-1966)، لم يكن جان عمروش ينظر إلى الفرنسية على أنها «غنيمة حرب» كما عبّر عنها كاتب ياسين، بل على أنها«أداة» للتّواصل مع الآخر وفقط، أداة تلقي، وسيلة بلوغ الشريحة الأوسع من القراء. لم يُجادل كثيرًا في الجانب اللّساني، وكتب برغبة في الكتابة وإفصاح عن كبت عميق، فقد خاضت كتاباته خصوصا في المسألة الهوياتية، والتمزّق الدّاخلي الذي عاشه طويلا، فهو مسيحي، خريج مدرسة الأساتذة الفرنسية، ومثقف تحمّل، مثل بني جلدته، على الرغم من كل العناصر المشتركة التي جمعته مع مواطني الضّفة الشمالية من المتوسط، معاني التصنيف الفرنسي المتعالي ووصفه بمصطلح:  «الأنديجان». اِعتقد عبثًا أن الكتابة الشّعرية وحدها تكفي لتحريره من عقدة الانتماء إلى الطّرفين المتباعدين: «السّفلي والعلوي»، وفق المنظور الكولونيالي التمييزي، قبل أن يُجرّب الكتابة الصّحافية والعمل الإذاعي ثم ينخرط، أخيرًا، في العمل السّياسي.

آندري جيد وجان عمروش

في نصّه الشّعري الأول «رماد»(1934) بدا واضحا بحثه عن معالم هويّة متعدّدة الأبعاد. «كلما بحثت عن صوتي، سمعت همس شفتيك المطبقتين/صوتك القادم من خلف الظلمة/ من سيحمل صوتي اليافع في أغنياتي؟/صوت الأجل، المختلط بصمت مستميت(…)أنوح منذ القدم في جسد امرأة/ أحاول منذ القدم تناسي يومي» كتب. أما في المجموعة الثانية «نجمة خفيّة»(1937) فكان الشّعور بمنفى داخلي حاضرا بشكل جليّ، كانت صراعات سيكولوجية دفينة تظهر على النّص، مع مقاربته ثيمات أخرى: المرأة والذاكرة والنوستالجيا. «كلمات تصدح بداخلي/ من ينبئني بقدر كلمات المجهول/  من يُنبئني برسالتها؟/ من ينبئني برسالتي؟(…) هل تعرف أبي وأمي؟ هل تدلني على طريق الوطن، أنا من دون أب ولا أم، أنا يتيم وطن/ أنا لست من هذا البلد، لست من هذا العالم/ أقف بينكم وبين كلماتي، كلماتي الغريبة. من ذا الذي يتحدث بداخلي عبر جسدي النائم؟ وجع المنفى الأزلي..». ومن بعدها، حاول أن يجد أرضا وسطى يلجأ إليها ليتطهّر من ضغوطات الانتماء واللاانتماء في آن، وكتب «يوغراطة الخالد» الذي أصدره عام 1946 كبيان انتماء راسخ لأرض الأمازيغ التي جاء منها. في شخصية يوغراطة تتقاطع كل الخصائص والمقوّمات التي تحتضنها بلاد القبائل، فهو الأرض والتّاريخ الممتدّ.

أمام الميكروفون

عمروش ليس كاتبًا فقط، بل أيضا صوتا إذاعيا. حلقة وصل بين أدبين؛ أدب بلد المُستعمر وبلد المُستعمَر سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. عمل في الإذاعة بين سنتي 1938و1958، متنقلا بين أستديوهات تونس والجزائر العاصمة وباريس، واِشتهر خصوصا بقدرته في المحاورة الأدبية، عمقه، صرامته النقديّة واطّلاعه الواسع بالأدب الفرنسي. تحدّث عنه الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك(صاحب نوبل للآداب 1952) مُقرا: «عمروش يعرف أعمالي أفضل مني»، هذا اِعتراف لانسمعه كثيرا من الكتّاب الكبار، فنقاد فرنسيون يعتبرون صاحب «رماد» أحد مُجدّدي فنّ الحوار الأدبي والنّقد الإذاعيين، وهما تخصصان كرّس لهما الشّاعر سنوات شبابه، فقد حاور أشهر كُتّاب ومفكري حقبة بداية القرن العشرين، أمثال الفيلسوف غاستون باشلار، النّاقد رولان بارت، السوسيولوجي إدغار موران، الشّاعر بيار إيمانويل، الرّوائي آندري جيد(صاحب نوبل للآداب 1947)، الشّاعر إيمي سيزار، مؤسس حركة الزنوجة، الشّاعر بول كلوديل والرّوائي كاتب ياسين، سنة صدور رواية «نجمة»(1956).. كان عمروش يعتبر الحوار الإذاعي مكملا مهما للنّص الأدبي للكاتب، وثيقة أساسية، مقاربة نقدية لحياة الكاتب خارج النّص، وأرشيفا مرجعيا يمكن  للدّارسين العودة إليه وقت الحاجة. كان ملما بتجارب كل من اِستضافهم من أدباء وفلاسفة وتشكيليين، واثقًا في نفسه، مراهنا على الاقتراب من الأسماء الكبيرة للمرحلة التي عاش فيها، محاورا إياهم بوعي وإلمام شاملين، في حوارات كانت تتراوح مدّتها الزّمنية ما بين 15 دقيقة و20 دقيقة، تسجيلات صوتية حُفظت غالبيتها في الأرشيف الفرنسي الصّوتي، ومازال المختصون يعودون إليها في كل مناسبة.

ما بين الحربين.. ما قبل التّحرير

غلاف مجموعة رماد

جان موهوب عمروش كان مناضلا ورجلا وطنيا، وهي حقيقة لاجدال فيها، بحسب النّاقدة الأدبية تسعديت ياسين. «فقد قدّم الكثير للجزائر.. قدامى المناضلين مثل رضا مالك، عبد الحميد مهري، كريم بلقاسم وفرحات عباس، الذين اِلتقاهم في تونس، يعتبرونه رجلا وطنيا» تضيف. إبان الحرب العالمية الثانية، ساند عمروش المقاومة الفرنسية ضد النّازية، «كان يؤمن بفرنسا الأُخوة والمساواة» فرنسا الشّعارات الجذّابة. أبدى إعجابا بالجنرال ديغول، وتعرّف عليه عن قرب، ورأى فيه مُحررًا ونموذجا للسّياسي الاستثنائي. ولكن، مباشرة بعد نهاية الحرب جاءت الصّدمة مع أحداث 8 ماي 1945، التي وضعته أمام الخيار الحتمي: نصرة الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وجاءت حرب التّحرير(1954-1962) لتخلصه نسبيا من الازدواجية التي فرضت نفسها عليه طويلا، وتدفعه للتّقرب أكثر من أرض الأجداد، على حساب أرض الثقافة التي احتضنته، وتبنته، وتحثه على إعادة تصويب مقولته الشّهيرة: «فرنسا هي عقل روحي، والجزائر هي روح عقلي». وبحسب تسعديت ياسين فإن سبب تسريحه من عمله في الإذاعة الفرنسية(1958)، وتوقيف برنامجه الأدبي ذائع الصيت وقتها، يعود بالدّرجة الأولى إلى دفاعه الصّريح عن خيار تحرّر الجزائر، مجاهرته بعداء المنطق الفرنسي الكولونيالي. ويُحسب للشّاعر نفسه لعب دور وسيط في فترة الثورة، بين الرّئيس الفرنسي شارل ديغول وفرحات عباس، رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، ويُمكن أن يدرك القارئ قرب جان موهوب من قضية الشّعب وتبلور المنظور التحرري لديه، من خلال إعادة قراء «يومياته»، التي جاءت بشكل اعترافات، تكفّلت بإعادة إصدارها تسعديت ياسين. يوميات تتبنى صوت «الجزائر المتعدّدة»، وتؤكد التزام الشّاعر بالانحياز إلى ثقافته الأمازيغية، التي خدمها كثيرا، فقد سبق له أن منح الشّعر المكتوب بالأمازيغية حضورًا أوسع بترجمته إلى الفرنسية، خطوة واصلها بعده مولود فرعون ومولود معمري، مساهمين في التّعريف بأدب المنطقة بكل خصوصياته، كما لم يتخلّى تماما عن دوره النّضالي السّياسي، وأتمّ مهمة الوساطة بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية المؤقتة، ليرحل بعد حوالي الشّهر عقب التّوقيع على اتفاقيات إيفيان.

شتاء 1954، بعث جان موهوب عمروش رسالة إلى الكاتب الفرنسي جيل روا (جزائري المولد) جاء فيها: «النجاح ليس هدفا، هو فقط وسيلة. لكني أدرك الآن أنه يجب علينا السّعي إليه كهدف إذا أردنا اِستخدامه كوسيلة»، قبل أن يكتب في رسالة أخرى، موجّهة إلى الكاتب نفسه:«هل يوجد أحد، من رفاقي القدامى، لم يفكر في تأمل حياتي الصّعبة، مقارنة بغيري، بسبب أصولي ووضعيتي».. هكذا هو جان موهوب عمروش عاش مسكونا برغبة التفوّق منذ أن كان تلميذًا في المدرسة، مُطوقًا بالهمّ الهوياتي منذ أن صار شاعرا، مشتت الانتماء، وفيا للأصل ولأرض الميلاد، وغريبا عنها أيضا. «ذكرى حيّة/ وميتة تسكنني/ تهجر أناشيد الصبا/ أمك التي كانت تهدهد سريرك بالأغنيات/ نجم دام يغرق في ذاكرتي» كتب الشاعر ليُدفن معه شعره، فلا مؤسسة ولااحتفالية تحمل إسم جان موهوب (عدا مدرسة ابتدائية واحدة)، ولانص واحد له في المناهج الدراسية، التي تعجّ بأسماء بعيدة كل البعد عن الثقافة الجزائرية، وضعية يشترك فيها مع شقيقته طاووس مارغريت ووالدته فاطمة آيت منصور، ثلاثة كتّاب من عائلة واحدة، طفرة جينية وحالة جد استثنائية في المشهد الثّقافي الجزائري والمغاربي عموما، ولكن الاستثناء الأكبر في القضية هو اِستبعاد الثلاثة دفعة واحدة من خارطة البلد الأدبيّة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …