الأحد، 16 يونيو 2019

الكلمات والأساطير

1

من بين أقوى الأساطير اللّغوية انتشارا في عالمنا العربي تلك التي يرددها أكاديميون وأعضاء مجامع اللّغة العربية وباحثون كبار ولغويون معروفون، ومن ورائهم إعلاميون وكُتّاب وطلبة، حيث يشيع القول بأن اللّغة العربية تحتوي على 12 مليونا و305 ألف و412 كلمة! والحقيقة أن سبب تردّد هذه المعلومة التراثية مقولة للخليل بن أحمد الفراهيدي (718-786م)، جاءت في كتابه «معجم العين» تؤكد أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل يبلغ إثنا عشر ألف ألف وخمسة وثلاثمائة ألف وإثنا عشر وأربعمائة كلمة، أي الرّقم ذاته الذي ذكرته أعلاه، ولأن في زمن الفراهيدي لم تكن هناك وسائل إحصاء ولم تتطوّر أدوات البحث اللّغوي، كما هو حاصل اليوم، فإن ما قاله هذا العلامة الكبير من المفروض أن يؤخذ من المعاصرين بتحفّظ شديد، لعدة اِعتبارات في مقدمتها إتباع منهج علمي صارم يأخذ بعين الاعتبار الدّقة في تحديد المفاهيم والمصطلحات، إذ يجب أن نعرف أولا ما المقصود بأبنية كلام العرب وما معنى المستعمل والمهمل، إلخ. من هنا فإن التّعامل مع الرّقم إياه يبقى مُضللا ما لم نتبع هذا المنهج الدّقيق والصّارم في البحث. وبداية نتساءل، هل المقصود بالأبنية الكلمة العربية في عموميتها بمعنى أننا حين نكتب في الورد Word مثلا بحثا في 3 آلاف كلمة، هل هذا هو ما نقصده بكلامنا، إذا كان ذلك كذلك فإن اللّغة العربية(شأنها في ذلك شأن كل لغات العالم) تملك إمكانية خلق ملايير الكلمات وليس مجرد الرّقم القليل المعلن من طرف الفراهيدي، هذا من جهة، أما إذا كان المقصود هو الوحدة القاموسية (المُعجمية) أوما يطلق عليه بالمدخل أوالمادة القاموسية، فإن الأمر هنا يختلف كلية، والدّليل على ذلك أن أحسن المواقع العربية في هذا المجال وهي«الباحث العربي»، والذي يضم أكبر وأشهر القواميس العربية، وهي لسان العرب، مقاييس اللغة، الصّحاح في اللغة، القاموس المحيط، العباب الزاخر،هذا الموقع يذكر القائمون على إدارته أنه يضمّ أكثر من 31 ألف مادة و4 ملايين كلمة، وطبعا ثمة فرق كبير بين المعنيين (أي المادة والكلمة هنا) كون الكلمة هي كل ما تضمنه الموقع من كلمات.. كل الكلمات (مثل بحثنا في الورد Word) أما المادة فهي شيء آخر، كما أن ما يتولّد عنها من معان واشتقاقات فهي تدخل ضمن هذه المادة، ولذلك نجد هناك ما يسمى بقواميس المعاني (أي الكلمات المشتقة Derivatives من المادة اللغوية: كتب/كتاب، مكتبة.. مثلا). ولو سلّمنا بالرّأي القائل أن العربية تحتوي على أكثر من 12 مليون كلمة، فلماذا إذن نعجز عن تسمية أدوات تكنولوجية بسيطة؟ وهل العربية أكثر تطورًا من الإنجليزية مثلا، التي تبتكر كل عام ما يزيد عن 8500 كلمة، كما أن قاموس أكسفورد الشّهير بكل ثرائه وغناه يضم 500 ألف كلمة.. فقط! والطّريف في الأمر أنني مرّة شاهدت في إحدى الفضائيات المعروفة خبيرا في الحاسوب يقول بصراحة غريبة أن اللّغة العربية بها 500 مليون كلمة! والظّاهر أن السّيد المحترم وقع في الخلط نفسه الذي وقع فيه العديد من الباحثين عن حسن نية وتهاون في التّدقيق والمراجعة، وطبعا هذا الكلام لايعني أن لغتنا العربية عاجزة عن ابتكار المصطلحات والمواد اللّغوية الجديدة، على العكس، فهي لغة اشتقاق بامتياز، و اللّغات الأوروبية، كما هو معروف لغات نحت وهوأصعب، نتيجة استعمال وإضافة البادئات واللواحق وغيرهما، و للعلم فقط فإن الإنجليزية المُعاصرة – كما تقول البروفيسورة من جامعة ميتشيغان آن كورزان(Anne Curzan) في كتاب «الحياة السرية للكلمات»– 90 بالمائة من الكلمات الإنجليزية الحديثة تم ابتكارها بطريقة النحت affixation and Compounding، وهذا طبعا راجع إلى اجتهاد الناطقين بها وحرصهم على تطويرها على نحو متواصل، مواكبة لما يبتكرونه من تكنولوجيا وكل ما له صلة بالحياة المعاصرة، أما نحن العرب فما زلنا مع الأسف نتعامل مع لغتنا من موقع التّقديس والتّهويل الفارغ مثل صناعة وترويج الأساطير اللّغوية، التي جنت على هذه اللّغة الجميلة الرّائعة وتهددها بالانقراض والفناء.. فتأمل.

يشيع القول بأن اللّغة العربية تحتوي على 12 مليونا و305 ألف و412 كلمة

2

كنت ومازلت في عجب من أسباب اختيار اِسم المسرح لأبي الفنون، وكنت أيضا أحاول عن طريق البحث والتّقصي العميق العثور على العلاقة التي من المفترض أن تربط بين هذا الفنّ والتّسمية العربية المختارة له، غير أنني ككلّ مرّة لاأجد لهذه المعضلة اللّغوية تبريرًا مقنعا، إذ من هو هذا الألمعي الذي أطلق على المسرح هذه التسمية الغريبة والمذلّة في الوقت نفسه؟! حيث أن كلمة المسرح تعني حرفيًا«المرعى»، أي مرعى البهائم والسائمة من إبل وبقر وخيل وغنم وهلم جرا.. وقد بحثت في كل القواميس العربية فلم أعثر على نسبة دلالية ولوضئيلة جدًا قد تجمع ما بين اِسم المسرح وفنّ الفرجة والاستعراض والتّمثيل المعروف، على عكس الملحمة – مثلا – التي تعني كثرة اللّحم وكذا المعركة الكبرى التي يحتدم فيها القتال الشّديد وهي تسمية موفقة وفي الصّميم، والآن وبعد فوات الأوان صرنا مغلوبين على أمرنا ونسلم باسم المسرح بعدما ترسّخ في الأذهان وبات يستعمل من طرف الجميع، علما بأن فن الرُكح، بضم الرّاء، تعدّ تسمية مناسبة كون الكلمة تحيل إلى الفضاء الفسيح والسّاحة والركن، وكلها تصلح مدلولا للمسرح الذي كان يُمارس ضمن فضاءات خاصة، وفي ركن من أركان المدينة في العهد اليوناني القديم، وفي الحقيقة لاعجب من هذا الأمر، إذ أن بعض التسميات الشائعة في الفنون وحتى الرّياضة وغيرها من المجالات كثيرًا ما تكون اعتباطية وحتى عبثية، ولنأخذ على سبيل المثال فقط كلمة كرة القدم الأمريكية «soccer»(سوكر)، التي تُقابلها كما هو معروف في الإنجليزية البريطانية كلمة «football»، حيث أن مصدر اختيار الأمريكيين لتلك التّسمية يعود إلى اختزال لجملةassociation football، حيث اختصرت الكلمة في المقطع الأول من الجملة assoc، التي تنطق a sock وقد صارت الكلمة كما هي شائعة اليوم soccer من باب تقليد واستنساخ لكلمة«rugger»، أي ممارسة رياضة الرغبي.. فتأمل.

كلمة المسرح تعني حرفيًا«المرعى»

3

يوجد 200 اِسم للمومس في اللّغة الإنجليزية!

يزعم الكثير من الأدباء والمفكرين أن اللّغة العربية ظلمت المرأة، فهي بالنسبة لهم لغة عنصرية ويمكن البرهنة على ذلك بوضوح – حسبهم – بوجود ما يُطلق عليه النّحويون«نون النسوة»، التي لاتقابلها نون الرّجولة أوأي حرف آخر يعكس جنس المتكلم، وهناك من يذهب بعيدًا في هذا التّجني على اللّغة العربية إلى حدّ التّدليل على أن من مظاهر عنصرية اللّغة العربية البادية بوضوح اِستعمال في حالة جمع المؤنث، الذي يحتوي ولو على ذكر واحد، صيغة المذكر وغيرها من المزاعم التي قد تبدو في ظاهرها صادقة وحقيقية لكنها في خلفياتها ظالمة وتتضمن الكثير من التّعسف والتّحامل، الذي في المقابل يُبرئ أصحابه اللّغات العالمية المتقدمة من احتوائها على مثل هذه العيوب المشينة، والتي يقولون أنها تترجم عقلية الرّجل الشّرقي المتعصّب والمتعوّد منذ قرون على احتقار المرأة والحطّ من شأنها.. طبعا مثل هذا الكلام غير العلمي نراه يُطرح بشكل هستيري أحيانا من طرف تيارات أيديولوجية معينة، ليس محبة ودفاعا عن المرأة، فهذا سلوك نبيل لايصدر سوى عن الفرسان وكبار النّفوس، بل هو نوع من المجاملات الخبيثة التي تستغفل المرأة وتجتهد في تحريضها باسم الحصول على المساواة للزجّ بها في صراع أبدي مع الرّجل رغم كونه يقاسمها مصيرًا مشتركا. وفي الحقيقة أن الدّراسات اللغوية المقارنة الحديثة أثبتت أن المرأة ظلمت أكثر وبتطرف في اللغات الغربية (وليس العربية!)، ومن بين أبسط الأدلة على ذلك ما ذكرته البروفيسورة آن كورزن من جامعة ميتشيغان على أن في اللغة الإنجليزية – مثلا – تم إحصاء 200 اسم للمرأة الفاسقة، وهذه الأسماء القبيحة وغير الأخلاقية تُشتم بها النّساء بشكل يومي! والأدهى من هذا أن الكثير من الكلمات الإنجليزية بمجرد تأنيثها تأخذ مدلولا احتقاريا وسلبيا، فكلمة«Governor»، التي أصلها فرنسي(القرن الرّابع عشر) وتعني الحاكم، ظهرت في أواخر القرن الخامس عشر بعدها كلمةGoverness»»، التي تعني أومن المفروض أن تعني الحاكمة (مؤنث الحاكم)، غير أن مدلول هذه الكلمة الأخير تحوّل وصار يدلّ على المرأة المربية والخادمة، ونفس الشيء حصل مع كلمة الأستاذ master»»، التي دخلت الإنجليزية أيضا عن طريق الفرنسية في القرن الرّابع عشر، وفي القرن الموالي له ظهرت كلمة«mistress»، التي كما يبدو تعني الأستاذة، لكن هذا المدلول تراجع ليحلّ محله مدلول آخر وهو الخليلة وحتى المومس في القرن السابع عشر.. وثمّة أدلة أخرى كثيرة في هذا المجال، مثلا كلمة«bachelor»، ظهرت في القرن الثالث عشر وكانت تعني الشّاب الفارس أوالذي تحصل على أدنى شهادة جامعية(الكلمة تحيل إلى الحاصل على شهادة البكالوريا)، لكن فيما بعد صارت هذه الكلمة تعني العازب، لكن بمضمون إيجابي، بيد أن الكلمة في صيغتها المؤنثة وهي «The Bachelorette»تعني العانس والمرأة التي لم تتزوّج رغم كبر سنّها، والشّيء نفسه ينطبق على كلمة«spinster»، التي ظهرت في القرن الرابع عشر، وكانت تعني ببساطة الفتاة غير المتزوّجة، غير أنه بدء من القرن الثّامن عشر صارت هذه الكلمة تعني العانس والمرأة التي تملك حظًا ضئيلا من الحسن والجمال، وقد أثار كل هذا الاستعمال غير البريء للّغة حفيظة الحركات النسوية، ولا سيما في السّبعينيات، حيث طالبت بالتّخلص من الكلمات التي تضم كلمة رجلman، على غرارChairman، Fireman، Policeman وتعويضها بكلمات أخرى أواستعمال كلمةPerson، وعليه بدل القول Chairmanنقول Chairperson .. فتأمل.

يوجد 200 اِسم للمومس في اللّغة الإنجليزية

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …