الأربعاء، 17 يوليو 2019

آلان تورنج.. لاكرامة لعالم في قومه

تمثال آلان تورنج

سمعنا كثيرًا عن أينشتاين ونيوتن، وعن أديسون والأخوان رايت، وغيرهم من العلماء الذين ساهموا، بشكل أو بآخر، في تغيير مجرى التّاريخ، ووفرّوا لنا حاجيات أساسية في حياتنا اليومية، وتحدّنثا عنهم طويلا، فهم يستحقون منّا الثّناء والتّقدير، ولكننا اِنتقائيون، إلى حدّ ما، في معارفنا، فنحن دائما نسعى لمعرفة ما نظنّ أنه يجب علينا معرفته، ونعتقد أن هناك أمورًا لاتنفعنا معرفتها.

وأنت تقرأ هذا المقال المُتواضع، فأنت بالتّأكيد تستخدم حاسوبا أوهاتفا ذكيًا أولوحة رقمية، وهذا كلّه يشتغل بنظام حوسبي، جدّ معقّد، وضعه العالم آلان تورنج، قد ساهم هذا الأخير، بشكل كبير، في تطوير هذا النّظام، وقام بقفزة نوعية في مجال الحوسبة.

وُلد آلان تورنج في 23 جوان 1912، وتوفي في 7 جوان 1954، وهو رياضياتي إنجليزي، يعدّ مؤسس علم الحاسوب الحديث. نشر في عام 1936 حلقة بحث:«on computable numbers»، والذي يعتبر من الدّراسات المؤسسة للمعلوماتية، وقد كان من المنظرين للذّكاء الإصطناعي، واِخترع ما يسمى «آلة تورنج»، وهي نموذج نظري بسيط يُحاكي طريقة عمل الحاسوب.

آلان تورنج لم يشفع له ذكائه الحادّ وعبقريته وإنجازاته العلمية أمام تعسف المجتمع، وسطوة القانون، ففي عام 1952، اِكتشفت الشّرطة أن آلان كان مثليًا، وكان له عشيق، فتعرض العالم البريطاني لفضيحة مدويّة، اِنتشرت على نطاق واسع في المجتمع آنذاك، انتهت بتقديمه للمحاكمة في 30 مارس 1953 بتهمة المثلية. وحكمت المحكمة عليه بأن يختار أحد الحكمين: إمًا السجن أوأن يُخصى كيميائيا بواسطة حقن هرمونات أنثوية. وقرر آلان تورنج اختيار الحكم الثاني، تجنبا لوحشة الزنزانة، وهو ما تمّ تنفيذه، بحقنه بهمون الأستروجين.

وتحوّلت حياته بعد هذه الفضيحة وحكم المحكمة إلى عزلة، حيث تمّ فصله من عمله، إضافة إلى فصله من جامعة مانشستر التي كان يقوم بالتّدريس فيها، فلم يتحمل آلان حجم العنصرية والكراهية التي قابله بها المجتمع والقانون رغم انجازاته الكبيرة فانتحر بعدها، باستخدام تفاحة مشبّعة بمادة السيانيد..

لو كان الان تورنج على قيد الحياة اليوم لكان جدّ فخور بنفسه أولا، ويرى مدى تطور علم الحوسبة الذي كان برز بفضل جهوده، وثانيا سيفرح وهو يرى إيرلندا اليوم وهي تقرّ زواج المثليين، وتتصالح مع ماضيها، فالبريطانيون يشعرون اليوم بالنّدم والحسرة لظلمهم عالمهم الكبير الذي ساهم في بناء جزء من العالم الحديث، ودافع بذكائه عن بريطانيا في الحرب العالمية الثانية.

ربما يكون هناك العشرات من أمثال آلان تورنج، يموتون باستمرار في العالم العربي، في ظلّ صمت، وتواطؤ اجتماعي رهيب، بسبب الجهل المقدّس الذي يعمّ بعض البلدان، ولكن، إلى متى سيستمر هذا الصّمت القاتل؟ ومتى يدرك الهوموفوبيون أن الحواسب التي يستخدمونها كلّ يوم ليست سوى نتاج عبقرية عالم مثلي، ويتوقفوا عن كرههم للاختلاف؟

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع