الخميس، 24 أكتوبر 2019

فصوص من الذاكرة: عن المطر ويعقوب وأنا..!!

ضيف حمزة ضيف

كانت السماء كقبعة بدينة على رأس نبيلة تعيسة، والرياح طيبة على غير العادة..

خاطبني صديقي يعقوب:

– لاشيء جميل في هذا المساء سوى حبة مطر تنساب بين النوافذ وتستقر على أطراف الأرصفة..
قلت له:

– ربما هنالك شيء عذب يشبه وجه الصبي حين يتعدى درج العمر دون أن ينتبهْ، شيء يصنعهُ هذا الهواء على هيئة الفقاقيع، يرتفع قليلاً على حسوة الماء في التجاويف الصغيرة في الطريق، ثم ينفجر بصمتٍ رتيبْ..

إنّه يعبث بالذاكرة و يصطدم بها، مثل الطميْ الرفيع الذي يسيل بين الأقدام كرغوة قهوة، أوملامح رجل ميت..
كان مساء جميلا، سددت فيه بضعٍ من الكلام ليعقوب، بينما كفّ في لحظةٍ نادرة عن مقاطعتي..
لقد استيقظت فيه روح قديمة فجأةً، وتركت تفاصيلها الصغيرة إلى أي حكيم ضخم مولع بتعريّة النظريات المحجّبة، بينما بدا الحنين إلى طفولتنا معاً متعب جداً، ولكنه مختصر المسافة، كتلك التي تقضيّها مخدة في تصفح خدين لوجه واحد، إحداهما ساخنٌ ودافئ، والآخر بارد وجاف.
الضحك على كل هذا الحنين المسائي، قد يُؤاخي بين اليد وأختها، ويصالح الشوارع بالجدران المعلقة من الأسفل. وقد أصبح جميلاً حقاً؛ عندما مررنا بعتبة الباب المسجّى بأضلاع حديديّة سميكة لمقبرة «الزدك» بأحد شوارع بن عكنون، في العاصمة، فيما الأعشاب على مرأى العين تتبرجُ بألوانها الرماديّة، وترقص بسيقانها النحيلة فوق القبور..
قلت ليعقوب:

– أتعرف! هنا ينام جثمان كمال مسعودي.

لم يخف المطر – مذّ تقاطع مع الطبيعة – شيئاً من جماليّته وعذوبته، ذاك أنّه جسّد كثيراً من التحالف الرمزي بين الغيم والأرض في هدنة تبدو أنّها فائقة المقدرة على الاحتواء والتجانس، فقد يحدث أن تغدو الطبيعة بكل مكوناتها تعبيراً دسماً عن ملاحقة منسجمة مع مكونات عديدة، من أجل الظهور بمرجع ختامي باهر الجمال، ومنفلت من التقدير البشري للمنفعة والمضرة.
الطبيعة لاتشكو من الابتسارعلى الإطلاق، إذّ أنها مخيلة واسعة لايحدوها التدارك أويقضمها الانحسار، تصل ماخرمه التوائم بين نقيضين، إلى الحدّ الذي نفتش نحن البشرعن قوانين فيزيائيّة جديدة، حتى نحتوي تلك الفتوحات المُحدّثة، أونشذّبَ قصورنا في فهم أمثولاتها الشائكة، سواءً كان ذلك التشذيب عبر لحقها بأساطير قديمة، تعتبر أن الخارقَ يصلح أن ينصّب إلهاً، أوبجرْد قانون يعتد بالرقم والحرف لأجل استيعاب أي مروق عن السائد بموجب الثابت والمستمر..
ردّ يعقوب :
– يُدعى صانع المطر في أفريقيا باللغة المالاويّة «مبونا»، و يعتبر المنقذ الوحيد من الجفاف، و قد كان السّحرة الذين يتجولون في أنحاء أفريقيا، يدّعون بأن «مبونا» المقدس يزورهم في أحلامهم ويعلمهم كيف يستقطرونه بإشعال النّار والرّقص حولها طويلاً، حتى يطفئها المطر ويبلل ملابسهم الهيبيّة سريعًا..
قلت له مستتبعاً ما قاله لي:
– هنالك أسطورة عند الهنود تسمى بـ«الإبريق»، ليست بالفهم الفرويدي الخبيث بكل تأكيد، حيث يحلو للهنود أن يحتفلوا كل ثلاث سنوات في أربع أماكن معروفة لهم، يحجّون إليها بأعداد وفيرة قد تصل إلى سبعين مليون مؤمن بتلك الأسطورة في العالم.
يعتقد الهنود أن سبب هطول المطر هو معركة حاميّة، تنشب بين الآلهة والملائكة حول هذا الإبريق الذي حدثتني عنه، إذّ أنهم يطلقون عليه مصطلح «إكسير الحياة».. ومن شدة ضراوة المعركة يتفصّد عنه أربع قطرات من المطر، موزعة على تلك المناطق الأربع، وكل قطرة تتناسل في السماء فتنجب مطرًا غزيرًا..
و يرجعون سبب هذا العراك، إلى أن الإله «فيشني»، اِتفق مع سائر الآلهة على البحث عن ذلك الإبريق/الإكسير، على أن يتم اقتسامه بعد العثورعليه، لكن «فيشني» خانهم و سرق الإبريق، فيما تقررالآلهة الأخرى شنّ حرب ضروس لاستعادة الإبريق..
وقبل أن ندلف باب مقهى تقليدي في الأبيار قلت له:
– عجيب شأن المطر حقًا! تنزل القطرة مجتمعةً ثم تتخذ مساراً متمايلاً على زجاج النوافذ والسيارات قبل أن تندثرعلى الأرض، ثم تُعاود الاجتماع تارةً مع رفيقاتها كيما تشكل بركاً وسواقي، قبل أن تبدّدها الشمس، ثم تصعد تارةً أخرى على هيئة البخار، وتتكاتف مجدداً في السماء على صيغة الغيم لتمطر في مكان آخر..
إنّه مسار المقاومة الأكبر والأنقى والأبقى أمام ركام بشري تتصفحه الشوارع، وتبصقه المقاهي، فيما هو يفتقد إلى تأمل هذه المتتاليّة مليًا.
المجد للماء أولاً.. ثم أبداً، فما خالط شِعراً إلا رفعه، وما سلك وادياً إلاعمّره، وما مسّ جبلاً إلا مدّده، إنّه الرِفق والقوة معًا!
ثم انتهينا إلى حديث آخر..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …