الأحد، 16 يونيو 2019

الألغاز اللغوية.. لماذا؟

قد يبدو عنوان ركن «ألغاز لغوية»، لأول وهلة، مجرد «حدوتة» ثقافية، الغرض منها تسلية القارئ الكسول ودغدغة فضوله المعرفي على نحو ظرفي عابر، إنما الأمر في الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، على اعتبار أن هذه الألغاز اللغوية تستهدف بالدرجة الأولى إثارة السؤال اللغوي، وما يحيط به من خلفيات فلسفية عميقة الغور والأبعاد، كون اللغة هي «بيت الكائن» كما يقول فيلسوف الوجود الألماني مارتين هايدغر، ومن ثمة فهي ليست مجرد ديكور بسيط يلملم مجموعة من المفردات والأصوات، ونسق تضبطه القواعد المتعارف عليها، بل هي أجلّ وأعظم من ذلك، حيث أن اللّغة في الأساس تعد كونا ثقافيا هائلا مترامي الأطراف لاتكاد تحده حدود، ولذلك فإن مفرداتها منذ مولدها الأول تظلّ مرآة أمينة للتطور الفكري وحتى الفسيولوجي أي أنها امتداد لعقلية المتحدثين بها عبر كافة العصور والأحقاب.

ولذلك فإن الألغاز اللغوية تتطلّع في مهمتها إلى معالجة مسار تطور الكلمة وما يُواكب ذلك من تغيّرات كتابة ونطقا ومدلولا طبعا، وفي اللغة العربية هناك خطأ شائع يتعلق بترجمة مصطلح «الإيتيمولوجيا  l’étymologie» ﺒ«علم الاشتقاق»، في حين أن الترجمة الصّحيحة هي «علم أصول الكلمات»، لأن البحث في أصول ومسار تطور الكلمة هو ميدان هذا العلم وليس الاشتقاق، الذي يندرج ضمن مجال لغوي آخر، كما أن اللّغة العربية لا تزال مع الأسف تفتقر لقواميس تُعالج هذا الجانب اللّغوي الهامّ، الذي لاتخلو القواميس الأجنبية كافة منه، مع التّذكير أن المستشرقين الأجانب كانوا سباقين في هذا الميدان عبر محاولة إعداد قواميس إيتيمولوجية للّغة العربية، ولاسيما الألمان منهم، غير أن جهودهم للأسف لم تر النّور لأسباب متعددة، منها وفاة من اضطلع بهذا الجهد الجبار والمتميز، ورغم وجود مبادرات هنا وهناك في عالمنا العربي قام بها لغويون عرب في هذا الاتجاه، إلا أنها تبقى جهودا محتشمة لا ترتقي إلى المستوى العلمي المطلوب، وعليه فإن الخوض في عالم الإيتيمولوجيا ليس الخاصة باللّغة العربية فقط بل حتى في اللّغات الأخرى، التي كما لايخفى نتعامل بها أومعها، له قطعا فوائده الجمّة التي تسمح بتوسعة المدارك اللّغوية ومن خلفها الفضاءات المعرفية والثقافية وهي مهمة صعبة ومعقّدة جدا لكنها نبيلة في صميمها بغير شكّ..

ومن هذا المنطلق، ولهذه الاعتبارات كافة، وُلد ركن «ألغاز لغوية» في فضاء الفايسبوك أولاً، قبل أن ينتقل إلى فضاء إليكتروني مُماثل لكنه أكثر جدية وعمقا، أقصد مجلة «نفحة»، التي نرجو أن تكون منهلا معرفيا يجتهد قدر المستطاع دون ادّعاء ولاغطرسة  في أن يغذي فضول القارئ العربي، قدر مايملكه من جهد وشجاعة وجرأة وحرية ومسؤولية، كل ذلك بغية اكتساب رؤى فكرية ووعي خلاّق ورصيد معرفي متنوع وثر ومفيد وهادف.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …