الخميس، 17 أكتوبر 2019

الشعراء يتبوّلون على الشعر

رحل مفدي زكرياء وجان سيناك وبشير حاج علي ونورالدين عبة ليأتي شعراء بعدهم، يجرون الشّعر بأيديهم وأنيابهم، نحو تخوم كان الشّعر الجزائري يخجل من الوقوف فيها، لقد تحوّل بعض الشعراء إلى حفنة من المطبلين، يتنقلون من مائدة إلى أخرى، لعلهم يمسكون ببعض الفتات، ويكسبون مودة الحاكم وحاشية الحاكم.

هكذا، لم يخجل واحد من الشعراء من لعب دور راقصة «بنت فاميليا»، وراح يمتدح الرّئيس، بكلّ ما أُوتي من حكمة وصلابة كلمات، عام 2009، قبل أن ينقلب عليه ويقلّل من شأنه العام الماضي، بتوقيع بيانات فايسبوكية مُضادّة، رافضة لعهدة رابعة، ثم يعود إليه اليوم ذليلا، خانعا ونادما على فعلته، وزميل له ليس يستحي من التسوّل باسم الشّعر المرفق بالعمل الجمعوي الفضفاض، يوزع التّكريمات يمنة وشمالا، يُكرّم مرّة جنرالا ومرّة أخرى واحدًا من المقربين من الرّئيس، سلاحه هو الشّعر الذي جعل منه قاموسًا مفتوحا للولاءات، وللنّيل من قيمة الشّعر الحقيقية، وكبيرهم الذي علمهم كيف يُحوّلون الشّعر إلى سلم للصّعود إلى مجد سلطة واهية صار وزيرًا، لم يعد الشّعر بالنسبة له سوى ذكرى جميلة من الماضي، كان يوزعها هنا وهناك، نثر بعضا منها في بلاط آل الأسد، وبعضها الآخر في خيام القذافي، وماتبقى منها عبّد به طريقا له للوصول إلى حاكم البلد، وبين النّماذج الثّلاثة يصطف طابور من ممارسي الشّعر، يحاول كلّ واحد منهم أن يقدم خدماته، بما يليق بالبحور الخليلية التي يسبح فيها، والأوزان التي يزنها، فهذا يبصق شعرًا على الأجداد، وينتقم من العروش والقبائل، كسبا لمودة رئيس بلدية، وآخر يمسح بشعره على كتفي مسؤول محلي لعله يستفيد من اِمتيازات ضحلة، وماتبقى منهم يتجوّل بالقصائد نفسها، منذ سنوات، من ملتقى لآخر، قصد اِستمالة يافعة أونيل قبلة من شاعرة مبتدئة.

ماذا لو عاد مفدي زكرياء وجان سيناك وبشير حاج علي ونورالدين عبة؟ كيف سينظرون إلى شعراء السّاعة الأخيرة؟ كيف كانوا سيخاطبونهم وهم يرونهم يتحلّقون حول الموائد، يتملّقون، يتنقلون من يد إلى أخرى، لايكتبون الشّعر سوى لبسط عضلاتهم اللّغوية، والنيل من شرف الكتابة، يتبارون في التّقرب من الأسياد، ولا يجدون مانعا من الطّعن في ظهور بعضهم البعض، يسترقون السّمع من لسان الرّئيس ويروّجون لحبه وبغضه للأشياء، قبل أن يتجرأ هو نفسه على كشف أذواقه أمام الملأ!

كنّا نحلم بشعر يصدح في السّاحات، شعر يُرافق الشّعب في يومياته، شعر يمضغه النّاس مثلما يمضغون الخبز كلّ صباح، لكن الحال وضعنا في ضفّة ترفض الأحلام، وتحوّل بعض الشعراء إلى كتائب من المخلصين في العلاقات العامّة، وراح الشّعر ضحية الأنانيات، وأمسكت السّلطة برأس القضية وذيلها، وأوهمت مواطنيها بأن أفضل الشّعراء هم الأكثر وفاء لها.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …