الخميس، 17 أكتوبر 2019

أيّها المؤمن بالمال، أنت متهم!

فيصل شاطر

أيها المؤمن بالمال، آنت متهم!

الدّولة الكبيرة التي نعرفها ولاتعرفنا سوى في الحفلات والأناشيد الوطنية، فتحت أخيرًا ملف الدّولة الصّغيرة التي حاولت اِستعمارها والتّمدد فيها، وجاءت برأس أميرها الذي علّم أبناءها سحر النّهب وغواية الثّروة الهاربة: المؤمن بالمال والزّهو.. جاء الأمير المُلقّب بالخليفة يتمطى خطواته المتثاقلة، داخلا إلى مسرح القضاء الكبير ليؤدي دوره الأخير في دولته المُنهارة. لما ولج المحكمة، وجد رعاياه يبكون كما لوأنهم كانوا في عزاء مفتوح، فقال في سرّه: «ماذا أصاب أهل عشيرتي وأصحاب قصعتي والمتشاركين في قعدتي؟»، ثم سكت. وأتجهوا به صوب مكان الانتظار ولسانه يردّد صامتًا: «لماذا أقاموا عزاء ودولتنا ماتزال قائمة بمالها وبنوكها وطائراتها؟».

قطع سيد القضاء صمت المسرح.. المسرحية مفتوحة الآن.. نظر الخليفة في وجوه الجالسين والواقفين، ثم أطلق اِبتسامة عريضة وجلس في اِنتظار دور له في التمثيلية، للعب آخر مشهد له في دولته اليوتوبية.

كان ناس الخليفة يتباكون ويطلبون صفحا وعفوًا من سيادة القاضي الحاكم بعدله، فيما المؤمن بالمال، قائد الدّولة المنهارة يخمن في سرّه كيف له أن يقضي ماراثون المسرحية بشهريها؟ ماذا يفعل في لحظات صمته حين يشتد خصام المترافعين والمتباكين؟ خمن وخمن ثم قرر أن يعيد في كل يوم لحظة من لحظات ماضيه الذهبي، أن يؤدي في كلّ يوم دورًا مختلفًا في التمثيلية. في هذا اليوم المشهود، الذي نحن فيه، فكّر أن يعيد ذكريات لقاء جمعه مع ملك ملوك أفريقيا، هذا الأخير أهداه كتابًا أخضرأنيق المظهر، تعلّم منه بعض سنن الحياة، فدخل في متاهة ذكريات اللّقاء إلى أن قاطعه صوت القاضي: أيّها المؤمن بالمال أنت متهم!..فقاطعه المؤمن بالمال: لايا سيدي القاضي! عليك أن تسقط التاء من كلمتك..فهي لامحل لها من الإعراب، فبدل أن تقول لي أنت مهم أخطأت وقلت لي أنت متهم! لاعليك يا سيدي ..أريد أن أقول لك شيئا، فقد كنت مع ملك ملوك أفريقيا نؤلف أغنية وطنية نطرب بها الناس ونستحث بها هممهم، ثم يا سيدي القاضي – يقاطعه القاضي ليطلب من رعيته الكفّ عن البكاء والنحيب – ثم ياسيدي القاضي، قال لي ملك ملوك أفريقيا، في تلك الفترة الزّاهية والمفرحة من عهدي:«يا بُني سأبعثك عائدا لوطنك لتقيم مملكتك هناك، فدعنا نفكر في نشيد يليق بمقام خلافتك»، فبحثنا وبحثنا إلى أن وجدنا أن كلمة «الواي» تختزن روحا من كلمات الوطن، قلت أنا واي ثم أعاد ملك ملوك أفريقيا ترديد واي أخرى، فوُلدت «واي.. واي».

وكان في بلاط الملك فتى اِسمه محمد، يعمل حارسًا على أقفاص العصافير العربية والأعجمية، اِسترق السّمع وحفظ الكلمات وفرّ هاربًا، سارقا سحر كلماتنا، فأمرني ملك الملوك أن آت به حيًا أوميتًا، فبعثت إلى قبيلتي أخاطبهم:«ياقوم.. لقد سرق محمد بن شتان نشيدنا!»، فانتقض القوم عن بكرة أبيهم، ودخلنا للدولة الكبيرة، باحثين عن سارق النّشيد، وكانت خطتنا أن ننشأ بنوكا وشركات طيران، لنسقط بالفتى الصّغير في الفخّ، ووجدنا لنا أصدقاء من أهل الدولة الكبيرة، كانوا أناسا مسالمين وأهل عافية، يقبلون المال عن أي شيء، ففكرنا بأن ننقلب عن ملك ملوك أفريقيا ونعيش مع السيد الرّئيس الجديد في مصالحة، وهكذا عشنا وأكلنا وشربنا وتعايشنا، لكن حالنا هذا لم يعجب بعضا من سلاطين الدولة الكبيرة فانقلبوا علينا وسقطت دولتنا الصّغيرة، وخرج بعدها الشاب السّارق، وقد اِشتد عظمه، يطرب الناس «واي.. واي»، وهنا سيدي الرئيس أطلب من سيادتك أن تطلقوا سراح شعب دولة الخليفة، فسكت القوم عن البكاء والنحيب ورفعوا يغنون واي واي وأسدل الستار عن المسرحية  ونهض المؤمن بالله من كابوسه على صوت القاضي:«رفعت الجلسة»، فابتسم، وأنهضوه من مكانه وولى عائدا إلى سجنه في اِنتظار حكاية أخرى.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …