الأحد، 9 أغسطس 2020

مثقف السلطة لاذاكرة له

يحاول النّظام الآن أن يصنع مثقفًا جديدًا على مقاسه، وأن يقنع المجتمع بأن النموذج الأمثل للمثقف الجديد هو من يلتزم بخطوط الطّول والعرض التي رسمها الحاكم وحاشيته، يحاول النّظام أن يدفع بعض الأسماء إلى الواجهة، وهي أسماء تفنّنت في خدمة الخطاب الرّسمي والدّفاع عنه، والتعتيم على أسماء أخرى رفضت قبول الأمر الواقع، ما يحدث الآن في الجزائر هي محاولة جديدة لتطهير الذّهنيات من ميكانيزمات التّفكير والنّقد، وسعي حثيث لصهر الآراء في رأي واحد.

ليس بالضرورة أن يبقى المثقف رهينة القضايا الأساسية، يُعيد مضغها وبصقها كلما أُتيحت له الفرصة، ويجتر المصطلحات نفسها ويقذفها في وجه القارئ أوالمستمع في كلّ مرّة، فالمثقف هو شخص يحشر أنفه في قضايا لا تعنيه، كما يقول جان بول سارتر، يحشر أنفه في قضايا الرّأي العام، في المسائل التي تشغل النّاس، وينحاز بالضرورة للشّعب وليس للمؤسسة التي تصنع مجدها من عرق الشّعب، ويبدو أن مثقف السّلطة، في الجزائر، قد فهم كلمات سارتر بالمقلوب وراح يحشر أنفه في الترويج للقاموس الرّسمي، يتبجح من جهة بقراءاته وبكتاباته، ومن جهة أخرى لا يرى حرجا من الخضوع للسّياسي، هكذا يلعب المثقف الحالي دورًا في إطالة عمر الآلة الأحادية التي تسيير البلاد منذ عقود، يتفادى نقدها كي لايخسر علاقاته مع أصحاب القرار، ولا يتوانى في مدحها كي يكسب نقاطا في سبيل بلوغ كرسي أوتحسين وضعه المادي.

مثقف السّلطة لم يعدّ اِستثناء بل هو ظاهرة تتمدّد، من سنة إلى أخرى، لم يعد يخجل من ممارساته بل يُجاهر بانبطاحه في الصّحف والإذاعات والفضائيات، لم يعد يستجيب للتعريف الأساسي للمثقف الذي يُعتبر كائنا قلقا يبحث عن الحقيقة وسط كومة من الوهم، لم يعد يهمّه الحديث عن منجزاته الفكريه بقدر ما يهمه الحديث عن منجزاته في وسط العلاقات العامة والخاصة، لقد فقد مصداقيته وصار السّياسي في حالات أصدق منه، هكذا يصنع مثقف السّلطة هالة له بالاعتماد على ظهر مثقفين صغار وعلى أكتاف سياسيين وصوليين، يقتت من سذاجة مثقفي المدن الدّاخلية ويركب سريعا موجة تحوّلات المشهد، يتصيّد الفرص من بين الخراب، ولايهمه النظر إلى الخلف، إلى التّجارب التي سبقت وسقطت في مستنقع النّسيان، فمثقف السّلطة لاذاكرة له، هو يعيش اللّحظة كما هي دون ماكياج، يتعرّى لما يجب أن يتعرى ويظهر في صورة قديس لما يجب عليه فعل ذلك، وفي النّهاية سيجد نفسه قد حقق بعض الطموحات لكنه أضاع كثيرًا من المكتسبات وبات مهددًا بالعودة، في لحظة من اللّحظات، إلى النّقطة الصّفر.

صار من العادي أن يتحوّل مثقف إلى موظف في مؤسسة السّياسة، لكن من النّادر جدًا أن نسمع عن سياسي يعمل لصالح الثّقافة، العلاقة بين الطّرفين غير متكافئة، وفي الجزائر، يشعر المثقف بفخر في خدمة التوجّه الرّسمي، ولايخجل من التباهي بفعلته، وغالبا ما يجد حوله جمهورًا واسعا من المصفقين، يباركون له فعلته، ويتمنون في أنفسهم أن يكونوا مكانه، فقد قطع المثقف الحالي أشواطا فقط ليرضى الحاكم عنه.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …