الأحد، 9 أغسطس 2020

عزالدين ميهوبي يقفز من فوق سور الثقافة

عزالدين ميهوبي

أخيرًا صار شاعر السّلطة وزيرًا، لقد كسب معركته من أجل الكرسي، أزاح خصومًا له من الطّريق، تحايل على التّاريخ، وسجل اِنتصارًا شخصيًا له، ويومًا كئيبا في كرونولوجيا الثّقافة في الجزائر، فآمال التّغيير نحو الأفضل تضمحل في حضور الوزير الجديد، والاستبسال في الطّموح يصير ضربًا من الجنون، وبوجود عزالدين ميهوبي تتوارى محاولات الخروج من منطق الزبائنية إلى الوراء، وتصير وزارة الثّقافة مؤسسة جماعة لامؤسسة دولة، تسير وفق مذهب الولاء، ولاشيء آخر غير الولاء للرّئيس.

عزالدين ميهوبي (1959) يمثّل نموذجًا ناصعًا لورثة طقوس الحزب الواحد، فمن مجرد مراسل صحافي لجريدة «الشّعب» وجد نفسه رئيسا للجريدة نفسها، ومن مجرد نائب مغمور في البرلمان وجد نفسه وزيرًا بدون حقيبة، ثم من شاعر ميؤوس منه، لايتعب من تدوير الفشل، وجد نفسه وزيرًا للثّقافة، كلّ هذا يحصل في وقت تراجعت فيه الأصوات النّقدية العقلانية عن القيام بدورها، أو دُفعت للخروج غصبا من بلدها، وعجزت تدريجًيًا عن فعل شيء للتخفيف من فظاعات الواقع.

علاقة ميهوبي بالثّقافة كانت دائما تقوم على مبدأ«الرّبح والخسارة»، فقد اِمتهن سريعا حرفة التّجارة الثّقافية، وراح يُنوّع من أداءاته بما يوفر له تقاربا مع السّلطة السّياسية من جهة، ومن جهة أخرى تصالحًا ظرفيًا مع عقول جمهور الفنّ والأدب، فقد كان دائما يعرض أعمالا له بأرقام فلكية، فمثلا سيناريو فيلم «زبانة»(2012)، الذي يُمثّل عثرة حقيقية في تاريخ السّينما الجزائرية، نال عنه ما لايقل عن مليار سنتيم (بحسب يومية الشّروق) وهو رقم مُرعب بالنسبة لفيلم فشل في كسب الحدّ الأدنى من إجماع النّقاد، وراح ميهوبي يركض في كل الاتجاهات لدحض المعلومة نفسها، لكنه تغاضى قبلها عما فعله بسيرة البطلة التّاريخية لالة فاطمة نسومر في مسلسل أراد منه اللّعب بسيرة المرأة وإعادة كتابة التّاريخ على مزاجه، وعزالدين ميهوبي تخصّص في صنعة لم يزحمه فيها أحد، هي «الأوبيرات»، التي نال من ريعها الكثير، ماديًا ومعنويًا: أوبيرات مواويل الوطن، أوبيرات قال الشّهيد، أوبيرات ملحمة الجزائر، أوبيرات حيزية، أوبيرات المسيرة، كلّها تصبّ في مديح الحاكم وفي ذمّ خصوم الحاكم، ولم يكن يعنيه أن يغيّر الحاكم اِسمه من الشاذلي بن جديد إلى اليمين زروال ثم عبد العزيز بوتفليقة، فجينات الولاء ثابتة لاتتغير في دمّ الرّجل، ولم يكن ليغيب عن ناظريه السّطو على كلّ ما يدور في ذهن الجزائري العاطفي بطبعه، وتجاوز الرّجل حدود الخدمة المحلية عام 1995 وقذف بما أسماه أوبيرات سراييفو، ليس بالضرورة تضامنا مع محنة البوسنيين الإنسانية بقدر ما كانت محاولة جادّة لركوب الموجة، وكسب ميول السّياسيين في الدّاخل.

وزير الثّقافة الجديد لم يكن يفوت فرصة دونما التّهجم على الإعلام المستقّل في البلاد، يوم كان كاتب دولة مكلفًا بالإعلام، حيث سبق له أن صرح بكثير من الارتجالية:«في بلادنا نمتلك كثيرًا من الحرية، وقليلا من الأخلاق الصّحافية والمهنية»، عبارة قالها يوم كانت الجزائر تحتل أسفل مراتب سلم الحريات في منظمة مراسلون بلاحدود.

السّيد الوزير، أو معالي الوزير، أو معالي الشّاعر، كما وصفه يومًا واحد من صحافيي آخر زمان، هو زبون دائم في صحف ومجلات عربية، من الصّف الثّاني، يُجامل مسؤوليها ليكتب فيها بعدما عجز، طيلة سنوات، عن تأسيس مجلة ثقافية واحدة ترفع اسم الجزائر في الجوار، كما إنه يعتبر واحدًا من المسؤولين الأكثر تداولا على المناصب، ففي ظرف قصير اِنتقل من مدير للإذاعة الوطنية إلى كاتب دولة مكلف بالإعلام ثم مديرا للمكتبة الوطنية الجزائرية، قبل أن يترأس المجلس الأعلى للغة العربية ليجد نفسه أخيرًا وزيرًا للثقافة، مما ينبؤ بأن الرّجل يعيش حالة عدم استقرار في وظائفه ونشاطا محموما في علاقاته، فهل ننتظر من رجل ميّال لسوق العلاقات العامّة أن يخرج بدستور ثقافي جديد يعيد لمبدعي البلد ومثقفيه شيئا من الأمل؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …