الأحد، 9 أغسطس 2020

الصداقة والعدَاء، لمن الغلبة؟

خاص بنفحة

فرنشيسكو ألبيروني

يذهب الكاتب والسوسيولوجي الإيطالي فرانشيسكو ألبيروني(1929-)، بعيدًا لما يعرف الصّداقة باعتبارها«قيمة ثابتة من قيم الجمهورية»، بشكل يتنافى مع أخلاقيات السياسة والديمقراطيات الحديثة، حيث لا تعدو الصداقة أن تكون مجرد «متحوّل» في لعبة المصالح «الثّابتة».

تعاريف مفهوم الصداقة ليست تحظى بإجماع، وتختلف بين ما ورد في الكتب والقواميس من جهة، والحياة الواقعية من جهة أخرى، وبين المجتمعات القديمة والمعاصرة، وعلى خلاف «الحبيب» و«القريب»، فإن الصديق هو الفرد الوحيد المخوّل فقدان صفته مع الزمن، مع تحمّل وزر اِختلال العلاقات الثنائية، وهو المستعد باستمرار لقطع علاقته بالطّرف الثاني، كلما فرضت ظروف العيش منطقها، والصّداقة بين اِمرأة ورجل قد تحمل، في داخلها، مسرّات وخيبات، كما عبرت عنها النجمة الكندية سيلين ديون، في أغنية «حب أو صداقة!»، فالصداقة من شأنها أن تكون ممهدًا طبيعيًا لعلاقة حبّ، والعكس غير صحيح أحيانا. هي بالتالي، الثّابت والمتغيّر في مجمل العلاقات الثنائية، وآرنست هيمنغواي مثال جيد عن تناقضات العلاقة نفسها في تواصله المضطرب مع الآخرين، حيث كان يبدي اِهتماما بأصدقائه، قبل أن ينتفض في وجههم في نهاية السّهر، أوقبيل شروعه في الكتابة، ليتحوّل فجأة إلى شخصية عصبية، ترفض التّعاطي مع المواقف الثنائية وتقاليد الودّ. كما إننا لانجد صفات لعلاقات الصداقة، بشكل كاف في الأدب الحديث، فقد نعرف أسماء خليلات أوعشاق كتّاب أوكاتبات، ولكن لا نعرف أسماء وملامح أصدقائهم وصديقاتهم، ففي الغرب، شاع تقليد تأسيس جمعيات ثقافية تحمل اِسم «جمعية أصدقاء الكاتب فلان..»، مثل «جمعية أصدقاء ويليام فولكنر» أو«جمعية أصدقاء غوستاف فلوبير»، ولكن التّسمية تختلف عن الجوهر، فهي ليست تجمعات لأصدقاء كاتب ما، بقدر ماهي تجمعات للقرّاء وللمعجبين بالكاتب نفسه، فالصداقة تفرض معرفة وقربًا من الكاتب، وثقة متبادلة، و«الحضور الدّائم هو ما يعزز غالبا العلاقة الودية، أما الغياب فهو يساهم بشكل فعلي في محوها»، هكذا كتب شاتوبريان. نحن نعرف شخصيات دوريس ليسينغ ورفاقها في السّياسية والأب، ولكن لا نعرف أصدقائها، ونعرف أسماء أفراد عائلة جون ماري غوستاف لوكليزيو، لكن لا نعرف أسماء الأصدقاء المقربين من صاحب «الصّحراء»، هي حالة من الانقسام الدّاخلي، أوربما من تقلّص ثقة «الكاتب»(بغض النّظر عن بيئته) في «الآخر» ما صار يحجب الصداقات، ويمحوها من أعين القارئ، أوربما الخجل، في حالات أخرى، من الكشف عن صداقات قد تُسيء لسمعة الكاتب، خصوصا صداقاته مع السّاسة، أومع أطراف مشبوهة، مما يُحتم عليه إخفاءها على المتلقي إجمالا.

جيسيكا شاستاين

كما نجد أن السّينما الهوليوودية، التي تلعب دورًا مهمًا في تحديد التّوجهات الأخلاقية والأيديولوجية لدى الأفراد، لاتولي أهمية كافية لعلاقات الصّداقة، ففي فيلم «أنا أسطورة» (2007) لفرانسيس لورانس، يربط البطل ويل سميت صداقة بكلب، أما في فيلم «زيرو دارك ثيرتي» (2012) لكاثرين بيغلو، فلا صداقة للبطلة جيسيكا شاستاين تعلو على صداقة المصالح، ولانراها على طول الفيلم (ساعتين ونصف السّاعة) تولي أهمية للعلاقات الودية، كما لوأن حياتها أُختصرت، في مكاتب السي.أي.إي وفي تحريات البحث عن أسامة بن لادن. هو منطق هوليوودي مادي، بالدرجة الأولى، حيث تُمحى الرومانسية لصالح ضروريات الرّاهن، ولا يظهر الأصدقاء سوى للضرورة، كما في سلسلة أفلام «قراصنة الكاريبي»، حيث تصير الصّداقة حتمية في مخطط القراصنة، وفي معاركهم البحرية.

بالعودة إلى الجزائر، لابد من الحفر عميقا لتحديد معاني صداقات الكُتّاب فيما بينهم، فالمبدع لا يُهدي نصوصًا له سوى للأصدقاء الرّاحلين، كما لو إن الأحياء منهم لايحملون قيمة إنسانية سوى لحظة الغياب، مع العلم أن كاتبات وكُتّابًا يستمدون قصصه من الأصدقاء المقربين، ليهدوها في الأخير للحبيبة أو للعشيق. كُتّاب الجزائر لاتنقصهم الصداقات، فالبيئة المحلية توفر باستمرار صداقات جديدة وعلاقات ودّ طويلة الأمد، لكن، لانجد اِنعكاسا لها، بما يكفي في النّص الأدبي، لتنوب عنها القصص العائلية والمغامرات العاطفية والسرديات التّاريخية.

يقول آلبير كامو:«قبل أن تكون صديق أحد ما، كن صديقًا لنفسك أولاً»، ففي زمن «الصّراعات العشوائية» والبحث عن كسب مواقع شخصية، تبلغ أنانية الكاتب الجزائري أوجها، ويصير الكاتب الصديق خصما، والعلاقات الودية علاقات مصالح، كما لاننسى تداعيات عشرية التسعينيات، وما فعلته سنوات الجمر والدّم من هدم مبرمج للعلاقات الإنسانية في الجزائر، سواء بين جزائريي الدّاخل فيما بينهم أو نظرائهم في الخارج، مع إفراغ لعلاقة الصداقة من جوهرها الحقيقي، لتغيب، شيئا فشيئا، ثقة الجزائري في بني جلدته، وتتحوّل «عين الريبة» و«الشك المزمن» إلى عامل محدّد لطبيعة علاقات الصداقة، وتتسع مجالات «الأنثروفوبيا» على حساب الحميمية والتبادل الثنائي غير المشروط.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …