الخميس، 27 فبراير 2020

موسم هدم التماثيل

تمثال الشيخ بوعمامة

عقب الضّجة التي أحدثها، الشّهر الماضي، تمثال عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة، ثم إزالته ليلاً، بعد تعرّضه لسيل من الانتقادات الدّينية والفنيّة، تطال عدوى إزالة التماثيل اليوم تمثال الشيخ بوعمامة، وبدرجة أقل تمثال الأمير عبد القادر.

في بلدية مغرار التحتاني، القريبة من مدينة عين الصفراء، جنوب غربي الجزائر، ينتصب تمثال الشيخ بوعمامة (1833-1908)،  بجوار متحف مهم، يضمّ الكثير من المخطوطات والوثائق عن حياة وآثار وكفاح الشيخ، وكانت تمثـّل هذه البلدية الصّحراوية الصغيرة، مركزا اِستراتيجيا مهما، اِتخذ منها الشيخ بوعمامة نقطة اِنطلاق أساسية لكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، حيث أسّس فيها زاوية دينية، كانت تعتبر أكبر زاوية في المنطقة آنذاك، من هنا جاء تغيير تسمية بلدية مغرار التحتاني التي أصبحت، بمناسبة الاحتفال بمئوية الشيخ، تُسمى رسميا «بلدية قلعة الشيخ بوعمامة»، نظرا لأهميتها التاريخية في مسار كفاح بوعمامة.

هل سيتعرض تمثال الشيخ بوعمامة إلى الهدم؟

لم يكن أهل قرية الشيخ بوعمامة، يبالون بتمثال البطل التّاريخي، ولم يكونوا يعيرونه أي اهتمام يذكر، علمًا أن سكان القرية نفسها من بسطاء النّاس، غالبيتهم تشتغل في الفلاحة، اِهتمامهم اليومي ينصب أساسًا على زراعة الأرض، والعناية بالنّخيل، التي تقدّم أجود أنواع التمور في المنطقة، غير أن منزلة الشيخ بوعمامة التاريخية والدينية، كقائد للمقاومة الشعبية، لاتزال قابعة في وجدانهم وقلوبهم، إضافة إلى أن سكان القرية في غالبيتهم من عائلة وأبناء عمومة الشيخ، وبالتالي ليس غريبا أن يقبل أعيان القرية وسكانها، بصدر رحب، تغيير اِسم قريتهم الضاربة جذورها في التاريخ.

فجأة، اِستيقظ أهل القرية على حدث كسّر يوميات حياتهم الرتيبة: السّلطات المحلية في مدينة قسنطينة، قامت بإزالة تمثال ابن باديس،  نزولاً عند رغبة عائلته، ورضوخا – غير معلن – لفتوى دينية تم تداولها على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام في الجزائر، وسرعان ما اِكتشف أهل القرية أن نصب التماثيل أمر محرّم في الإسلام، اِستنادًا إلى ما ورد من آيات وأحاديث متفق عليها، وهذا لأسباب هي: مضاهاة لخلق الله، مشابهة للكفار، وأخيرا اِستخدامها كوسيلة للتعظيم والوقوع في الشّرك.

اِكتشف سكان القرية الهادئة شيئا آخر، لم يتفطنوا له، أو بالأحرى لم يكن يولونه أي اهتمام: تمثال الشيخ يبدو مشوّها، بشع الوجه، خالٍ من أية قيمة فنية أوجمالية، لايمت بصلة إلى صورة الشيخ بوعمامة، الراسخة في أذهانهم، من خلال ما كان يحكيه أجدادهم عنه، وهكذا بدأ سكان القرية التفكير في كيفية التّخلص من هذا الشيء الذي يسمى تمثالا أو نصبا أومجسّما لاعلاقة له بتاتا بشخصية بوعمامة المجاهد، الورع، المتصوّف، مؤسّس الطريقة الشيخية.

إلى حدّ الآن، كانت الأمور هادئة خاصة بعد تدخّل مُنجز التمثال الذي أكد أن التمثال لايُمثّل الشيخ بوعمامة، بل يمثّل رجلا من رجال المقاومة فقط، وهو ما أكده مساندا رئيس البلدية المعنية، غير أن  الأمور بدأت تأخذ فيما يبدو منعرجا خطيرا، بعد زيارة  قام بها هذا الأسبوع إلى المنطقة، أعضاء من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من بينهم الشيخ محمد الهادي الحسني، المعروف بعموده الأسبوعي في يومية «الشروق»، وبرنامجه الأسبوعي الذي يقدمه على قناة القرآن الكريم التابعة للتلفزيون العمومي، والذي حرّض الناس علنا على هدم التمثال، وكتب في «الشروق» اليوم ما يلي:«ومن أقبح ما رأيت ذلك الصّنم، التمثال الذي “كرّموا” به هذا المجاهد، وإن “صنم” – تمثال ابن باديس على بشاعته لأجمل ألف مرة من هذا الصنم، فطهروا عين الصفراء منه. إن علماءنا ومجاهدينا ليسوا ولسنا في حاجة إلى ما تفعلونه لهم من تماثيل، بل نحن وهم محتاجون إلى نشر قيمهم، ومبادئهم، فمتى تخرجون من عالم الأشياء والأشخاص إلى عالم الأفكار؟»

تمثال الشيخ بوعمامة

مدينة البيض على الخطّ

في المدخل الرئيسي لمدينة البيض، جنوب الغرب الجزائري والتي تمثل مع منطقة عين الصفراء، رقعة اِمتداد مقاومة الشيخ بوعمامة ومعقل ثورة أولاد سيدي الشيخ، ينتصب في شموخ تمثال ما يفترض أنه للشيخ بوعمامة، وهو عبارة عن كتلة حجرية صبغت بلون الذهب، متراصّة داخل قالب صخري يشبه ظل شبح، يبدو خاليا تماما في التّعبير عن ملامح تشابه مع إنسان ما، فضلا عن التعبير عن شخصية تاريخية معروفة بسلوكها ومواقفها.

الأمر كان من الممكن أن يكون هينا لو اِقتصر على التمثال وحده، كان سيجد تفسيرات الهروب عن التشخيص كما حدث مع قرية مغرار، الأخطر أنه كتب على قاعدة التّمثال وبخط عريض: «الشيخ بوعمامة»، في إشارة إلى أن التمثال نفسه هو للشيخ بوعمامة. سكان البيض باتوا يطلقون عليه وصف «هـُبل» في إشارة تهكمية إلى صنم هبل، أحد أكبر الأصنام التي كانت تُعبد في عصر الجاهلية. وهكذا باشر العديد من مواطني المدينة، ومن مختلف الجمعيات الفاعلة وكذا مشايخ الزوايا، في حملة واسعة على مستوى شبكة التواصل الاجتماعي لإزالة التمثال، كما راسلوا السّلطات المحلية والسلطات العليا في البلاد في هذا الشأن، متمنين أن يقوموا بنفس الإجراء، كما فعلوا مع تمثال اِبن باديس، باعتبار أن دوافع وأسباب الهدم هي نفسها.

تمثال الأمير عبد القادر

وماذا عن تمثال الأمير عبد القادر؟

حتى وإن لم يبلغ الأمر، ولحدّ السّاعة، مستوى معيّنًا من الاحتجاج أوالاستياء، ولاالمطالبة بنزعه أوتنحيته، كما هو الشأن بالنسبة لتمثالي ابن باديس أوالشيخ بوعمامة، فقد بات تمثال الأمير عبد القادر، المنتصب في قلب الجزائر العاصمة، مثار كثير من الجدل، خاصة  في بعده التعبيري، حيث يتساءل البعض: «لماذا يحمل تمثال الأمير عبد القادر سيفا؟ باعتبار السّيف رمز الحرب والقتال وبالتالي العنف بشكل من الأشكال، ولماذا لا يحمل كتابا مثلا؟ ذلك أن مسار الأمير على مستوى التأليف والمواقف الإنسانية هو الذي صنع مجده العالمي، فقد صار يعتبر من بين أهم الشخصيات في تاريخ الإنسانية، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى اِطلاق اِسمه على واحدة من مدنها». أما على المستوى الفني، فيبدو التمثال في غاية الدقة وجمال الصنعة، وإذا عرف السّبب بطل العجب كما يقال، إذ يعود إنجازه إلى النّحات البولوني ماريان كونيتشني، عام 1982. والمعروف في عالم النحت، أن بولونيا لأسباب عقائدية وتاريخية معينة، متفوقة في هذا المجال الفني الصعب، الذي – يجب نعترف –أننا لا نتقنه، لأسباب حضارية، فنية وعقائدية، وتلك قصة أخرى.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …