الخميس، 17 أكتوبر 2019

بين حرية التعبير والخوف من المصير

الآن، يمكن للصّحافيين أن يعلنوا خسارتهم للجولة الأولى، من العهدة الرّابعة، فقد نجحت السّلطة في تكميم أفواه معارضيها، وكسبت خصومًا قدامى في صفّها، أغلفت صحفًا وتلفزيونات، وأوقفت برنامجًا، وصنعت صورة مثالية لها أمام أعين النّاس، لكن المواجهة لم تنتهي بعد..

الآن، يمكن للحكومة أن تحتفل باليوم العالمي لحريّة التعبير، بتوزيع أمنيات وباقات ورد على المؤسسات المُقرّبة منها، وتبشر من تبقى من خصومها بأن لاصوت يعلو فوق صوتها، وأن زمن البطولات الورقية قد اِنتهى، وأن البطل الوحيد والأوحد هو الرّئيس الذي يدور القوم في فلكه، ولا يُظلم عنده سوى من يعارض رأيه..

الآن، يمكن أن ننظر إلى 5 أكتوبر1988 بكثير من النوستالجيا الجوفاء، نتذكر من رحل ومن بقي في ضفّة الوفاء، وندرك أن «ربيعنا» الذي جاء مُبكرًا قد أُختطف منَّا مبكرًا، وأن المكتسبات التي طالما تغنينا بها، وحسدتنا عنها دول مجاورة، قد ضاعت من بين أيدينا، ولم نفعل شيئا للدّفاع عنها..

الآن، يمكن للزّميل عبد السّميع عبد الحيّ أن ينظر إلينا، من زنزانته، ساخرًا، ويفضح «عيبنا» وعجزنا وقلة حيلتنا في الدّفاع عن أنفسنا، فقد بات الصّحافيون الملتزمون، في جزائر تنفلت من سياقات التّاريح المعاصر، فئة مهددة ببلع الصّمت، دونما اِحتجاج، في زمن عادت فيه صحافة الصّوت الواحد إلى التّمدّد طولاً وعرضًا..

يبدو أن المشهد الإعلامي في البلد ليس كما نتمناه، والقضايا الأخيرة التي عرفناها، في الأسابيع الماضية، تنبؤ بتمدّد الفجوة بين الحقّ في التعبير والخوف من المصير، فالمجازفة بقول رأي يختلف عن الرّأي السّائد يعني بالضرورة تحمّل العقاب، والعقاب له أشكال مختلفة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن، فماذا نفعل الآن، لتحرير ما يمكن تحريره؟

مكتسبات أكتوبر1988 دخلت مرحلتها الأحلك، في السّنوات العشرة الماضية، مع التّضييق المعلن على الأصوات النقدية، سجن واِعتقال صحافيين، وخصوصا تمييع الوسط الإعلامي بمنطق «الكمّ»، هكذا اِرتفع، في وقت قياسي، عدد الجرائد والمطبوعات، ودخل الميدان أناس لاعلاقة لهم بالمهنة، يتمتعون بعلاقات متينة مع أصحاب القرار، جعلوا من السّاحة مشتلة من دكاكين الإعلام الموالي والإعلام المُضاد، يجاهرون بالصّدق ويخدمون، في الوقت نفسه، مصالح النّظام، وأمام مُلاك الرّأي الجدد توارى الصّحافيون الحقيقيون إلى الوراء، فقد وجدوا أن السّاحة لا تتسع لهم، وأنهم صاروا غرباء على البيوت التي سكنوها ودافعوا عنها طويلا..

اليوم، جيل جديد من الصّحافيين يكبر في الشّارع، في الأنترنيت، يلامس الواقع بعينيه وأصابعه، يعيش مع الطّبقات السّفلى، ويفهم كيف تفكّر الطّبقات العليا، يكتب في الخفاء مسودات صحافة سيكتبها في المستقبل علنا، جيل ما بعد أزمة التسعينيات، جيل الفايسبوك والهاتف الذكي، جيل لا يؤمن بصورة رجل واحد تتكرّر، جيل اِختار من البداية لغة التّغيير، سيكون له، بكل تأكيد، صوت في المرحلة القادمة من المواجهة، وسيكون له دور في اِستعادة حرية التعبير المُصادرة، حينها فقط سنحتفل مجددًا بالثالث ماي مثلما تحتفل به شعوب ونخب تحترم صحافتها وصحافييها.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.