السبت، 24 أغسطس 2019

الدين، الموسيقى والكتب

سارة النمس

الدين والموسيقى والكتُب.. مواضيعٌ لا تناقشُ معَ الغرباءِ في الحافلاتِ والمحطاتِ وقاعاتِ الانتظار كما يناقشُ الطقسُ وخطابُ الوزير ونتائجُ المبارايات! إنّكَ بذلكَ كمن يحملُ خنجرًا ليشقَ رأسهُ كما تشقُ حبة البطيخ لغريبٍ سيرى كلّ ما فيهِ ثمّ يبصقَ بكلماته الفظّة.

جلستُ مرةً على الكرسي الأمامي في سيارةِ الأجرةِ الجماعية، وضعتُ السمّاعةَ وأخفضتُ صوتَ الموسيقى لسببين: الأوّل كي لا أزعجَ الراكبينَ بموسيقاي والثانِي كي لا يعرفَ الراكبونَ موسيقاي! كيفَ أسمحُ لأيّ أحدٍ بأن يحللَ حالتي النفسية اعتمادًا على الأغنيةِ التي أصغي إليها؟ أو يتعاطفَ معَ عاطفتِي أويسخر، كنتُ لأقتلعَ عينيه وأسنانه..

فاجأنِي السائقُ حينَ طلبَ منّي بوجهٍ ودودٍ أن أشاركهم موسيقاي ليكسروا بها رتابةَ السفر وكمن طلبَ منّي أن أتعرى لهُ وللراكبين، تغيّرَ لونُ وجهي، شعرتُ بالخجل، حدّقتُ إلى قدميّ وقلتُ بعدَ أن تلعثمت: إنّها ممّلة.. لن تعجبكم! وأشحتُ بوجهي إلى النافذة، السائقُ استغربَ وارتبك ولم يفهم أيّ ذنب اقترفَ في حقي لأشعرَ بكل تلكَ المرارة!

أمّا الكتب.. فأنا أجتهدُ بإخفاءِ الغلافِ في الأماكنِ العامّة كي لايتمكّن أيّ أحدٍ من قراءةِ العنوان أواِسمِ الكاتب، ومنذُ ولدتُ حتى يومنا هذا لم أخبر أحدًا عن عنوانِ كتابي المفضّل، إنّه أحدُ أسراري الحميمية التي لا أنسخها في دفاتري السرية، أكثر ما أكره أن يتطفلَ غريبٌ بعينيه على الأوراقِ التي أتصفحها، أغلقُ الكتابَ كالتي تنتقمُ من ذبابةٍ مزعجة بسحقها بين طيتيّ الكتاب، أحدقُ إلى المتطفلِ بعينين غاضبتين ووجنتين منتفختين كي أعاقبهُ على ذلكَ التلصص، مدّت راكبةٌ مرةً يدها إلى كتابي فسحبتهُ إلى صدري، قالت: هل تسمحين؟ لا! كنتُ فقط.. لا! أنا.. لا!

والدين من المواضيعِ التي يرغبُ الناسِ بخوضها في كلّ مكانٍ، في الأعراسِ، في الجنائز، في المساجد، في البارات!في البيوت، في الحافلات، حلال، حرام، يجوز، لا يجوز، نحن وأنتم وهم، يتحدثون عنِ اللهِ كأنهُ يعيشُ بينهم، يعرفون طباعهُ جيّدًا والأكثر مرارة كأنّه وحدهم يحبهم، أتجنبُ استفزازهم حينَ يرغبون بتوريطي في الحديث كامرأة، مثلاً: المرأة مكانها بيتها ولم تخلق إلاّ لعبادةِ زوجها، بالطبع لا يقولونَ عبادة، أستخدمُ كلمةً توازي المعنى في رؤوسهم، المرأة لا يجبُ أن تسافر بمفردها، أعضّ لسانِي، لا أدافع، لا أناقش، لا أبوحُ بموقفي وأحيانًا أسبهم بيني وبينَ نفسي وأبتسمُ ابتسامتي الشرّيرة تلك التي يكرهها خالد ويحبُها لأنهم عاجزونَ عن سماعِ مسباتِي الصفراء التي تشبهُ بصاقًا مجازيًا شفافًا يسقطُ على وجوههم فلا ينتبهونَ له ليمسحوه بل يواصلونَ الحديثَ ببلهٍ.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.