الخميس، 27 فبراير 2020

تلمسان تنقلب على سامي الدروبي

الثلاثية بترجمة سامي الدروبي

عام 2011، وبمناسبة اِحتضان تلمسان تظاهرة «عاصمة الثقافة الإسلامية»، أصدرت وزارة الثقافة، كعادتها في تسيير هكذا مناسبات، عددًا معتبرًا من الكتب، في إطار ما جرى تعريفه بإعادة طبع المؤلفات الكاملة، وقد كان للترجمة نصيبا وافرا من كرم الوزارة، ومن بين الترجمات المثيرة للجدل، ترجمة ثلاثية محمد ديب:«الدّار الكبيرة»، «الحريق» و«النول». وعهدت الوزارة بانجاز الترجمة إلى المترجم الجزائري أحمد بن محمد بكلي، وقامت بطبعها عن منشورات «سيديا» بالجزائر العاصمة، علما أن أوّل مترجم لأعمال محمد ديب، وبالتحديد ثلاثيته سالفة الذكر، هو الكاتب والمترجم السّوري سامي الدروبي (1921-1976).

السّؤال الذي يُطرح: «ما الذي دفع وزارة الثقافة آنذاك إلى إعادة ترجمة أعمال أدبية تُرجمت سابقا؟ واشتهرت عربيا، بعد أن تصدّى لترجمتها واحد من أهمّ المترجمين العرب في العصر الحديث، يكفي أنه مترجم الأعمال الكاملة للكاتب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي، حيث قضى 20عاماً من عمره في التّصدي لترجمتها، لتظهر أخيرًا في ثمانية عشر مجلداً، وهي الترجمة التي أشاد بها كبار الكتاب العرب، من بينهم طه حسين، الذي قال: «إنّني أقرأ ترجمات الدكتور سامي الدروبي للأعمال الكاملة لدوستويفسكي، والذي يثير إعجابي أنّ هذا الإنسان مؤسَّسة بكاملها بل أحسن، ها نحن نرى شخصاً واحدًا يقوم بهذا العمل الجبَّار، فيعطي القارئ العربي والمكتبة العربية أعمال دوستويفسكي كاملةً بأسلوب أخّاذ ولغة جميلة متينة وبفهم عميق لروح المؤلف». كما أنه ترجم خمسة مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي وعدد صفحاتها خمسة آلاف صفحة، إلى جانب تصدّيه لعدد معتبر من الأعمال العالمية لكتاب كبار على غرار برغسون، سارتر، ماركس، هيمانس وبوشكين. مع الإشارة، وهو أمر يبدو لنا بالغ الأهمية، أن المترجم السوري، ماعدا الكاتب الجزائري محمد ديب، لم يسبق له طيلة مساره الإبداعي، رغم اِمتلاكه لببليوغرافيا مزدانة بعشرات الكتب المترجمة، أن ترجم عملا لكاتب عربي آخر يكتب باللغة الفرنسية أو أية لغة أخرى، لو اِستثنينا طبعا كتاب «معذبو الأرض» لفرانز فانون، والذي ترجمه بالاشتراك مع جمال الأتاسي.

ما الجدوى من إعادة الترجمة؟

يتحدّث المترجم الجزائري أحمد بن محمد بكلي في تصريح لإحدى الصّحف الوطنية قائلا: «لقد تمّ اِختياري لهذه المهمة من طرف القائمين على تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة العربية، والحقيقة أنني فرحت كثيرًا بالاختيار الخاص بالكتب المراد ترجمتها وليس لشخصي، لأن محمد ديب قريب إلى قلبي كجزائري، قرأته مرات ومرات باللغة الفرنسية وبالترجمة العربية أيضا التي لم تلفت الأنظار إلى هذا المَعلم الأدبي  الكبير، غير أن الإشكال كان في الوقت المقدّم لي من أجل إنجاز هذه التجربة، لقد أتممت العمل في ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وهذا وقت قياسي لترجمة محمد ديب».

وهكذا باشر في رسم أول خطوة نحو تغيير العنوان كعتبة أولى، وسرعان ما أجرى تعديلات على عناوين الروايات الثلاث المشكّلة لثلاثية محمد ديب، وأضاف بكلي: «رفضت استعمال عنوان “الدار الكبيرة”، وفضلت “الدار لكبيرة”. وغيّرت عنوان الجزء الثاني من “النول” إلى “المنسج”، حتى لا أخرج من الإطار الجزائري، فلو حدث هذا، فإن النص الأصلي سيبتعد عن الطابع المحلي الذي أعطى ثلاثية محمد ديب بعدها العالمي»، وأردف بكلي في تصريحاته: «لم أطّلع على الترجمة السورية، حتى لا أتأثر بالنّص الأول»، مضيفا: «الحوارات كتبتها بالعامية الجزائرية، وليس بالعربية الفصحى، لأن روح محمد ديب تبقى روحا جزائرية، ورغم أنه كتب بالفرنسية، فالمحتوى جزائري».

من حقنا كقراء ومهتمين بالشأن الثقافي الجزائري أن نطرح مجموعة من الأسئلة في هذا الصدد: كيف يمكن أن نصدّق أن المترجم محمد بكلي تصدّى لترجمة الثلاثية (التي تناهز صفحاتها 400 صفحة، من الحجم المتوسط) في ظرف ثلاثة أشهر وعشرة أيام، دون أن يطلع على ترجمة الدروبي؟ وماذا أضاف إلى النّص الأصلي كجديد، باستثناء ربما تعديلات بسيطة مسّت تسميات أماكن وحوار بين شخوص العمل أعاد صياغته باللّهجة الجزائرية؟ وحتى لو أخذنا بعين الاعتبار مسألة الرّوح الجزائرية كمسوّغ لإعادة الترجمة، من خلال مبرّر عدم قدرة المترجم السوري على إدراك عادات وتقاليد وملامح تراث شعبي تختصّ به مدينة تلمسان دون غيرها، ألم يكن جديرًا، مادام الأمر كذلك، أن تعهد الترجمة إلى مترجم ينحدر من المنطقة نفسها، فمن المعروف أن هناك تنوعا واختلافا في العادات واللّهجات بين مختلف مناطق الجزائر، قد تستعصى أحيانا على الإدراك فيما بينها؟

ثم هل اِتصلت وزارة الثقافة مع دار لوسوي الفرنسية بغرض الحصول على حقوق إعادة الترجمة؟ خاصة وأن دار النشر اللبنانية ومن ورائها المترجم السوري الدروبي، حصلت على إذن خاص بالترجمة من دار النشر الفرنسية ومن محمد ديب نفسه، من خلال رسالة كتبها خصيصا للدار اللبنانية، تولى سامي الدروبي عرض أجزاء منها في مقدمة الكتاب.

أهمية اِعتماد ترجمة الدروبي

سامي الدروبي

لاشكّ أن الروايات الثلاث لمحمد ديب بترجمة سامي الدروبي، نالت غداة نشرها نجاحا معتبرا على مستوى الوطن العربي، بعد أن قامت دار النشر اللبنانية، بإصدارها في البدء بأجزاء منفصلة، وسرعان ما عملت على ضمّها بعد ذلك في كتاب واحد عام 1985، وذلك «بناء على رغبات الكثيرين من الذين اِطلعوا عليها بأجزائها الثلاثة وأعجبوا بهذا الإنتاج الأدبي الكبير»، حسب الناشر اللبناني الذي أضاف: «وبذلك أيضاً نكون قد قدّمنا للقارئ العربي واحداً من الآثار الروائية العالمية الخالدة، لا يقلل من قيمتها ومنزلتها بين روائع الأدب العالمي إنها كتبت منذ أكثر من ثلاثين سنة، بل على العكس من ذلك فإن في هذا بالضبط خلودها فضلاً عن أن جيلاً كاملاً من شبابنا قد أتم دورته، ولا بد أن يتعرف إلى ذلك الزمن الغربي – زمن الاستعمار العتيق – والكفاح البطولي الشاق الذي تحمله الجيل السابق آنذاك، وقد يكون في ذلك بعض العزاء والتشجيع للجيل الحاضر في مواجهة تحدياته الخاصة المختلفة شكلاً، المتفقة مضمونا».

تكمن أهمية هذا العمل المترجم من طرف سامي الدروبي، خاصة على مستوى المقدمة /الوثيقة للثلاثية، المؤرخة في 01/11/1960، والتي تتضمّن مقاطعا من رسالة بعثها له محمد ديب نفسه، وهو ما يعني حرص صاحب الثلاثية على الترجمة العربية وعلى ترحيبه بالمترجم السوري، لتكون بمثابة تقديم للطبعة العربية لرواياته، وقد أورد المترجم مقاطعا من رسالة محمد ديب الذي أوجز فيها مناسبة تأليفه: «كان لا بد للسنين المائة والثلاثين التي قضتها فرنسا في “تمدين” جزائرنا من أن تؤتي ثمراتها… والحق أنها قد أتت ثمراتها ويالها من ثمرات، إن وصفها هو موضوع هذه الروايات الثلاث، غير أنني أحس – واأسفاه – أن اللوحة التي رسمتها لا تبلغ من السعة كل ما كان ينبغي أن تبلغه. كان هناك أشياء كثيرة مفرطة في الكثرة يجب تصويرها. وكان تصويرها يحتاج إلى موهبة، وقد اِضطررت أيضا إلى حذف عدد من العناصر حرصا مني على أن يصدقني القارئ ذلك أنني وجدتني أمام وقائع كثيرة لا يصدّق العقل أن تقع..».

هذا إضافة إلى أنه من شأن المحافظة على ترجمة الدكتور سامي الدروبي باعتباره واحدًا من أشهر المترجمين العرب، بغزارة إنتاجه، وتمكنه من اللغة الفرنسية – حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس – أن تمنح قيمة تاريخية وأدبية للثلاثية في الجزائر وفي العالم العربي، وكدليل على مكانته الأدبية والعلمية في حقل الترجمة، أنه وبرغم من كون جميع ترجماته للأدب الروسي تمت بواسطة اللّغة الفرنسية وليس اللغة الروسية التي لم يكن يجيدها، غير أن دور النشر والمؤسسات الثقافية الروسية، رفضت جميع محاولات ترجمة الأدب الروسي لاسيما أعمال دوستويفسكي إلى العربية، لأنها لن تجد أفضل من ترجمة سامي الدروبي، بحسب تصريحاتها.

أكبر خدمة في اِعتقادي كانت ستسدى إلى روح محمد ديب، وإلى الأدب الجزائري بصفة عامة، كانت ستكون وبكل بساطة، إعادة طبع الثلاثية مترجمة من طرف كبير المترجمين العرب سامي الدروبي، مع ضرورة إحداث بعض المراجعات البسيطة خاصة على مستوى تسميات الأشخاص والأماكن لا أكثر، عدا ذلك وكما اِعتدنا، ولانزال للأسف، لن يخرج الأمر عن دائرة العمل المناسباتي الاستعجالي، وتبذير المال العام ليس إلاّ.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.