الإثنين، 27 مايو 2019

معركة الجزائر، فيلم لايتنازل عن العرش

أفيش الفيلم

دخل فيلم «معركة الجزائر»، لأول مرّة، قائمة أفضل خمسين فيلما سينمائيا في العالم، حسب تصنيف المجلة البريطانية «Sight & Sound» التي تصدر عن المعهد البريطاني للأفلام، منتصف الشّهر الحالي، وذلك على ضوء اِستبيان شارك فيه نحو 846 شخصا من المختصّين في شؤون السينما عبر العالم، أغلبهم من النقاد ومن العاملين في مجالات الفن السّابع، محتلاً بذلك المركز 48، بحصاده31 صوتاً، جنبًا إلى جنب مع أفلام تعتبر من الكلاسيكيات الخالدة في تاريخ السينما العالمية، لمخرجين عباقرة على غرار: ألفريد هيتشكوك الذي اِحتلّ المرتبة الأولى عن فيلمه«فيرتيجو»، أورسون ويلز، فرانس فورد كوبولا، فيليني، دي سيكا صاحب فيلم «سارق الدراجة» الذي اِحتل المرتبة 33، بيرغمان، تركوفسكي وسكورسيز، بالإضافة إلى روّاد الموجة الجديدة في السينما الفرنسية: تريفو وجان ليك غودار. والجدير بالملاحظة أن «معركة الجزائر» هو الفيلم الإفريقي والعربي الوحيد الذي دخل هذا التصنيف العالمي، وهو ما يبرهن بحق على القيمة الفنية والتاريخية للعمل نفسه.

تتويجات وإشادة

أخرج فيلم معركة الجزائر، أو معركة الجزائر العاصمة بالتّحديد، المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو،عام 1966، بالأبيض والأسود، وهو فيلم يروي فترة من فترات كفاح الشعب الجزائري إبّان ثورة التحرير، يستمد قصته من وقائع حقيقية عاشها المجاهد ياسف سعدي، وهو أحد أبطال معركة مدينة الجزائر عام 1957، اِنطلاقاً من حي القصبة العتيق. وقد نال الفيلم غداة نزوله إلى الصّالات، العديد من الجوائز العالمية وعلى رأسها جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية(1966)، وجائزة النّقد في مهرجان «كان» السّنة ذاتها، كما تمّ ترشيحه لجائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل الأوسكار1967.

في شهر جانفي 2004 عرض الفيلم في القاعات السينمائية عبر عدد معتبر من المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، في نيويورك، لوس أنجلس، شيكاغو، واشنطن، مع تقديم عروض اِستثنائية له حضرها ياسف سعدي(ممثل وصاحب فكرة السّيناريو) كضيف شرف، وقد حُظي الفيلم في أميركا باستقبال شعبي كبير وبإشادة إعلامية ونقدية من البلد الرائد في عالم السينما، وهكذا حقّق الفيلم آنذاك عائدات مالية معتبرة بلغت نحو 500.000 دولار، وفقا لإحصائيات قدمتها هوليوود.

من جهة أخرى، عرف الفيلم مقاطعة رسمية من فرنسا، التي رفضت عرضه في قاعات السّينما، وقد اِمتدت المقاطعة، رغم نجاح الفيلم وحصوله على أكبر الجوائز العالمية، أكثر من 38 سنة، أي إلى غاية عام 2004 تاريخ الإفراج عنه، فقد سُجل، سنة عرضه الأول، اِنسحاب الوفد الفرنسي من مهرجان البندقية بايطاليا(1966)، احتجاجا على عرضه في المهرجان، ثم على حصوله على جائزة الأسد الذهبي.

ولم يقتصر نجاح الفيلم على الميدان السّينمائي فحسب، بل اِمتد ليشمل أيضا جوانب أخرى تتعلق بمدى الاستفادة من قصة أحداثه، في إطار تسيير ما يعرف بحرب العصابات داخل المدن، فقد نقلت الصّحيفة الأمريكية «نيويورك تايمز»، في عددها بتاريخ 7 سبتمبر 2003، خبر عرض الفيلم في البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) وحرص القيادة العليا للجيش الأمريكي، على معاينة الأخطاء التي اِرتكبها جيش الاحتلال الفرنسي في الجزائر، محاولة منها لإيجاد حلول كفيلة بالحدّ من المآسي التي خلفها دخول القوات الأمريكية إلى العراق.

فكرة الفيلم

ياسف سعدي

يقول ياسف سعدي أحد أبطال معركة الجزائر، والذي شارك في إنتاج وكتابة سيناريو الفيلم، إلى جانب قيامه بتمثيل دوره الحقيقي في الفيلم، في حوار خصّ به صحيفة الحوار الجزائرية(2010): «خطر ببالي فيلم معركة الجزائر، وأنا في السّجن بعدما حكم عليّ بالإعدام، وأثناء عزلتي المطوّلة في زنزانة انفرادية بسجن سركاجي كان هاجسي الوحيد هو الوقت، وكيف يمكن أن أمضي أيامي تحت تلك الحراسة المشددة التي كانت مفروضة عليَّ وأنا مقيّد القدمين، فكان شريط العمليات الفدائية التي قام بها الشهداء آنذاك تمرعليَّ، وكأنها شريط سينمائي، ومن هنا بدأت تتنامى لدي فكرة الفيلم الذي هو في الأصل عبارة عن كتاب ألفته وأنا في المنفى رفقة الراحل بوضياف وآخرين، حيث تمكّنت من اِستعمال الورقة والقلم اللذين كنت محروما منهما وأنا في السجن، وبعد قرار العفو الذي أصدره ديغول عن المحكوم عليهم بالإعدام خرجت من السّجن، وواصلت نشاطي الثوري بتحريك المعركة في العاصمة، حتى وأنا داخل السجن بمساعدة حارس السجن، الذي جندته في صفوف الثورة إلى أن تمّ اِغتيال الشّهيد علام، الذي كان يحمل رسالة مني إلى عناصر جماعتي خارج السجن، فقرّر القضاء الفرنسي ترحيلي إلى فرنسا حيث كتبت «ذكريات معركة الجزائر«، التي حوّلتها إلى سيناريو فيلم بعد الاستقلال، وقمت بعرضه على عدد كبير من المخرجين الفرنسيين والايطاليين، الذين رفضوا تحمّل مسؤولية إخراج الفيلم نظرا لثقل القضية التي كان يحملها، وبقيت أبحث عن مخرج للفيلم إلى يوم اِلتقيت بالايطالي جيلو بونتيكورفو الذي مزّق السيناريو الذي كتبته، واِقترح أن يقوم بتصوير فيلم آخر في الجزائر فرفضت، واِتّفقت وإياه على أن يعيد كتاب سيناريو معركة الجزائر وفعلا قام السيناريست الإيطالي الواقعي فرانكو سولوماس بإعادة كتابة السيناريو وأحضرتهم إلى الجزائر، حيث دفعت لهم 80 بالمائة من أتعابهم، واتفقنا على تأجيل الباقي إلى ما بعد الانتهاء من الفيلم، ولأنني خشيت أن يتم تحريف الحقائق وافقت على المشاركة في الفيلم بعد تردّد كبير، ومثلت دور الهادي جعفر، رغم أنني لم أكن افقه شيئا في أصول التّمثيل. فعلا قدمنا العمل الذي مازلت أحتفظ بعقد تعاوني فيه مع بونتيكورفو، الذي طلب مني أن أضع اِسمه على الفيلم على أساس انه منتج مع أنني أنا المنتج».

إبراهيم حجاج

مأساة ممثل عبقري

الممثل الجزائري إبراهيم حجاج (1934-1996)، الذي جسّد في الفيلم دور بطل معركة الجزائر الشّهيد علي لابوانت (اِسمه الحقيقي علي عمّار)، ورغم أنه وقف، لأول مرة في حياته، أمام الكاميرا، ولم يتلقّ أي درس في الفنون الدرامية قبلا، اِستطاع بحضوره وعفويته وصدق تمثيله، أن يلعب الدور الذي أُسند إليه على أكمل وجه، نال دهشة وإعجاب من شاهد الفيلم في الجزائر وفي خارج الجزائر، وسرعان ما اِتصل به المخرج الفرانكو إيطالي ليشينو فيسونتي، الذي أعجب بتمثيله، وهكذا استدعاه للعب دور «العربي» في فيلم الغريب، المقتبس عن رواية ألبير كامو الشّهيرة، جنبًا إلى جنب مع أكبر الممثلين في أوروبا آنذاك: ماستروياني وآنا كارينا. كما شارك إبراهيم حجاج، في عدة أفلام جزائرية مثل «دورية نحو الشرق» لعمار العسكري، و«وقائع سنوات الجمر» لمحمد الأخضر حامينة.

ورغم تجسيده المميّز للدور، الذي كان عاملا مهما من وراء نجاح فيلم معركة الجزائر العالمي، لم ينل الممثل نفسه حقوقه المادية كما يستدعي الواجب نحو ممثل رئيسي برع في الدور، خاصة وأن الفيلم حقّق عائدات مالية ضخمة في الجزائر وفي مختلف بلدان العالم، فإلى جانب المبالغ المالية التي حصل عليها الفيلم مقابل الجوائز العديدة من المهرجانات الدولية التي شارك فيها، فقد حقّق في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها كعائدات مالية مبلغ 500.000 دولار، خلال سنوات عرضه هناك. ولعلنا نتذكر الفضائح المالية التي طالت، في الآونة الأخيرة، السيناتور ياسف سعدي، منتج الفيلم، والمستفيد بطبيعة الحال من حصة الأسد من مداخيل الفيلم، حيث صرّح في تبرير وجود أموال ضخمة له في بنك سويسري، أن أمواله المودعة هي من عائدات فيلم معركة الجزائر باعتباره منتجا وممثلا، كما أن الفيلم أنتجته شركة «قصبة فيلم» التي كان يملكها في سنوات الستينيات.

بالموازاة مع اِرتفاع أرقام أرباح ياسف سعدي، عاش الممثل إبراهيم حجاج أوعلي لابوانت في فيلم معركة الجزائر، منسيًّا ومهمّشا في بلده، عانى الأمرّين في السنوات الأخيرة قبل وفاته، بائسا إن لم نقل متشردا في شراربة، ضواحي الجزائر العاصمة أين دفن رحمه الله، لم يتذكره ياسف سعدي الثري على الأقل من مداخيل الفيلم، كما أعلن ذلك بنفسه، ولا أنصفه القائمون على الشأن الثقافي في وزارة الثقافة، أو فكروا في تكريم هذا البطل الرئيسي لواحد من أعظم الأفلام في تاريخ السينما العالمية عبر كلّ العصور.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد. حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.