الأحد، 16 يونيو 2019

كيف صارت ليبيا بوابة للهجرة السرّية؟

بنغازي: محمد الأصفر

تزايد محاولات الهجرة السرية من ليبيا

لييبا صارت، في الفترة الأخيرة، محطة أساسية في رحلات المهاجرين غير الشّرعيين نحو شواطئ القارة الأوروبية،  وتحوّل البلد نفسه إلى منصة للهجرة السّرية، بشكل يؤرق العالم بمنظماته الحقوقية والإغاثية، ويثير قلق حكومات دول أوروبية جنوبية تستقبل هؤلاء المهاجرين في حال نجاتهم من الموت غرقا، لتستوعبهم رغماً عنها، بسبب اِلتزامها بمواثيق دولية أوخضوعها لضغوطات من منظمات مجتمع مدني تعنى بالشأن الإنساني لديها، فقضية الهجرة غير الشرعية، التي عرفت نشاطا قياسياً، في الأيام الماضية، ما تزال تنتظر حلاً، من جانبي الأبيض المتوسط، وليس من جانب واحد فقط، وقبل التّفكير في حلول للمشكلة ذاتها، لابد أولاً من فهم أسبابها، فهل السّبب هو الفقر أم الرّغبة في الهروب من واقع سياسي واِجتماعي مؤلم؟ أم هو تطلع إلى آفاق جديدة؟ أم ركوب للمغامرة تحت تأثير أحلام  نسجها الخيال أوسمع بها المُقبل على الهجرة من آخرين؟ أم هي أسباب أخرى غيرها نجهلها؟ اِستمرار هذه الهجرات، وما يُصاحبها من تراجيديا في عرض البحر، أوفي الصّحراء في طريق الوصول إلى البحر، لا ينبغي أن يظل هكذا دون حلول.

بعض الآراء تقول أن المهاجرين غير الشّرعيين يقومون برحلة عكسية، صوب دول اِستعمرتهم في الماضي، في محاولة منهم لاسترداد حقوق لهم، وأن ما يصرفه الأوروبيون على المهاجرين الأفارقة أوالعرب هو في النّهاية حقّ لهم، هو ذهبهم ونفطهم وعرقهم، ونعتقد أن هذا كلام إنشاء يبتعد عن الموضوعية، يميل إليه العاجزون عن فعل شيء، فالغرب هاجر إلينا قديما واِستعمر بلداننا طويلاً، والآن يُهاجر إليه بعض من شبابنا ليرتموا على شواطئه شبه موتى!

مشكلة الهجرة غير الشرعية وكيف يُضحي الإنسان بنفسه في قارب متهالك مشكلة تؤرقنا جميعا، فالمُقبل على الهجرة لايفعل هذا إلا عندما يشعر بلاجدوى العيش في البلد الذي فرّ منه، فهو يلعب لعبة الروليت الروسية عبر مسدس الماء، ويرمي بنفسه في المغامرة، فإما ينجو منها أويجد نفسه وليمة لأسماك البحر وأعشابه، ولعل المهاجرين السوريين يمثلون اليوم النموذج الأوضح لهذه الحالة، فهم في حالة هروب من الصّراع الدّائر في بلادهم، وهروب من الدول المحيطة التي تستضيفهم بطرق غير ملائمة، وهروب آخر من ليبيا أيضا التي تقبض على بعض منهم أحياناً وتتهمهم بالتّطرف، فالموت يحيط بهم من كل جانب، وبات من الطّبيعي أن يفكّر عدد منهم في فرار غير معروف العواقب عبر الأبيض المتوسط، وذلك بعد أن يدفعوا لنخاسي البحر ما جمعوه أو هربوه من دولارات قليلة.

الأفارقة، الحالمون بحياة أفضل في واحدة من دول جنوبي أوروبا، يأتون إلى ليبيا من غرب إفريقيا، عبر النيجر، إلى مدينة سبها، جنوبي البلد، ومن شرق أفريقيا عبر السودان إلى سبها وأحيانا إلى مدينة الكفرة، منهم من يصل جواً ومنهم من يصل براً عبر الصّحراء عن طريق مهربين محترفين يعرفون دروب الرمال، والرّحلة إلى شمالي ليبيا عبر الصّحراء أيضا محفوفة بالمخاطر، لكن ما دام المهاجر قد هاجر من خلال عصابة فسيصل حتما إلى السّاحل وإلى الموانئ التي تنطلق منها الهجرات غير الشرعية إلى سواحل إيطاليا، منها – حسب مصادر – موانئ زوارة والخمس والقره بوللي ومصراتة في غرب ليبيا، حيث إن الغرب الليبي هو الأقرب للشواطئ الأوروبية وللجزر مثل مالطا ولامبيدوزا، بينما تقلّ عمليات الهجرة غير الشرعية في شرق البلاد، بسبب بعده نسبيا عن شواطئ أوروبا.

الأبيض المتوسط يتحوّل إلى مقبرة

في موانئ الهجرة غير الشرعية، في معظمها موانئ صيد بحري، تُصنع سفن بدائية أويتم اِستئجار أوشراء قوارب لا تتمتع بالحدّ الأدنى من قواعد الأمان، ويقبض الوسطاء ما بين 1000 دولار و1500 دولار من كلّ مهاجر، ويبقى المهاجر في واحدة من المزارع أوفي مستودع سري قريب، منتظراً موعد الرّحلة، متخلياً عن أوراقه الشّخصية، وهاتفه وكل شيء يشير إلى هويته، وعندما يركب القارب تبدأ رحلة الحظّ، فإما أن يصل إلى شاطئ أوروبي أو يغرق،  وغالبا ما يتعرض المهاجرون إلى معاملة سيئة في مراكز الاعتقال إن حصل واعتقلوا قبل ركوبهم البحر، أو حتى في أماكن انتظار موعد الرحلة، من قبل مافيا الهجرات غير الشرعية، والتي ينفّذها غالباً خارجون عن القانون أومليشيات مسلحة بحثا عن تمويل، وأحيانا أخرى يقوم به رجال مخابرات وبوليس كما كان يحدث في عهد العقيد القذافي، الذي وظّف ورقة الهجرة غير الشرعية سياسياً، فكان أحيانا يوقف القوارب وأحيانا يطلقها على شواطئ أوروبا، في عرض البحر.

جرائم كثيرة تحدث ربما لاتصل تفصيلات كافية عنها، في الأونة الأخيرة البوليس الإيطالي يحقق مع مهاجريين غير شرعيين مسلمين رموا عشرات المسيحيين في البحر ممن كانوا معهم في قارب واحد، جرائم أخرى يرتكبها الوسطاء أو قباطنة القوارب، فعندما يدخلون المياه الأقليمية للدولة الأوروبية، وخوفاً من الملاحقة القضائية، يفرون بقارب سريع، تاركين السفينة تلاقي مصيرها وسط الأمواج، وعادة ما تجنح أو تغرق لعدم وجود الطاقم البحري، ولعل الجريمة التى حدثت منذ أيام عندما غرق أكثر من700 مهاجر خير دليل على ذلك .

الآن، الغرب يفكر في معالجة المشكل من بلد المنشأ أومن نقطة الانطلاق، ويسري رأي يميل إلى ضرب الموانئ الليبية والسفن الراسية فيها، مع إعادة المهاجرين من حيث جاءوا، ولا أعتقد أن مثل هذا الحلّ سينجح، بل إن الأمر يتوجّب معالجة اقتصاية واجتماعية وسياسية، فهل تستوعب الحكومات الأوروبية أنها جزء من الأزمة ويتوجّب عليها تحمّل مسؤولياتها لحلّها؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.