الأربعاء، 26 يناير 2022

خمور الجماعة وحريات الفرد

سفيان تواتي

حرب ضد تجارة الخمر

وجد وزير التّجارة الحالي(والمناضل الديمقراطي سابقًا) عمارة بن يونس(1958-) نفسه محل اِنتقادات شديدة بعد إقدامه على إلغاء بعض التراتيب البيروقراطية المتعلقة بتجارة الخمور. هذه الانتقادات تحوّلت، على المنابر الدّينية، إلى وعيد بالويل والثّبور وعظائم الأمور لشخص بن يونس، فيما اِستحوذت الهستيريا الفَنَائيّة على خطب الجمعة، وتوعّد أئمة بنزول الصواعق والأعاصير و الزّلازل على البلاد..
الجرائد والمجلات الرقمية والورقية، القريبة من المحافظين، رأت في الأمر ضربًا لثوابت الأمة ومؤامرة جديدة على أخلاقها ودينها، بعد كثيرات أُخَر سَبِقْنَها، كانت آخرها مؤامرة مشروع القانون المناهض للعنف ضد المرأة.
صحافي جهبذ، حسان زهار من جريدة «الحياة»، لم يفته تزامن قرار بن يونس مع دعوة أطلقتها البرلمانية أسماء بن قادة لأن تمكن النساء من دخول المقاهي العامة، اِهتدى زهار بعقله الراجح وحدسه البالغ إلى كشف الخيط الرّابط بين كل المؤامرات السّابقة: تحويل المقاهي الشعبية إلى ما يشبه الملاهي الليلية، يختلط فيها الرّجال والنساء لشرب الخمر، «دون أن يكون بإمكان أحد أن يحتج أو يدعو الناس للهداية».

في الحقيقة، موضوع الجدل لم يكن تراتيب الوزير عمارة بن يونس الجديدة، بقدر ما كان وجود خمور والمتاجرة فيها في الجزائر. اِنتقادات المنتقدين كانت واضحة من جهتها، في دعوتها القوية إلى تدخل الدولة لمنع تداول الكحول، فقد أعلنت بعض التنظيمات الدينية عن وقفات اِحتجاجية لهذا الغرض. في المقابل، اِكتفى الاسلاميون ورجال الدين القريبون من السلطة، باستحضار خطاب العاجز وما تيّسر من دعوات الاحتساب على الله وتوكيله، وأسّسوا أنفسهم في صفوة الغرباء بدينهم، القابضون على الجمر في آخر الزمان، كل ذلك في مشهد يعيد للأذهان فيلم «الرّسالة» لمصطفى العقّاد(1975) ومشهد تشميس كفار قريش لآل عمار ابن ياسر وهم يلهجون: أحدٌ.. أحدْ..!

كل تلك الاعتراضات والدّعوات والاحتجاجات (ليس على تراتيب بن يونس، بل على وجود خمور في البلد)، وما تخللها من هستيريا فنائية متوعّدة، قابلتها ردود خجولة ومرتبكة من جانب التقدميين والديمقراطيين والعلمانيين. خيّر أغلبهم الهروب إلى الأمام وتفادي الاصطدام بالعقلية المحافظة، التي تزداد كنتونّية متحجرة وردّة إلى بنى عتيقة من التفكير. كادت ردودهم لا تخرج عن كون مسألة الخمر ليست أولوية، وأنها القضية فرعية، ولم يجرؤ هؤلاء، إلاّ بعضا من المستمسكين بعروة المواطنة المدنيّة الوثقى(مزيان عبّان في مناظرته مع ميلود قادري على قناة الشروق)، لم يجرؤ هؤلاء إذًا على الإجابة على طرح المحافظين علنيّا اِنطلاقا من مرجعيتهم: علوية الحقوق والحريّات المدنية على الاعتبارات الفلسفية والمذهبية والطائفية الخاصة.

جماعة دينية تدعو إلى مسيرة ضد الخمر

والحقيقة أن كل هذا اللّغط حول الكحول يرتدّ إلى إشكال هيكليّ عميق، ولا أراه قضية فرعية في سعينا لدولة المواطنة، يتخبّط فيه العقل الجزائري والمسلم عامة، وهو سوء الفهم التّاريخي الذي وقع بينه وبين مفهوم الحريّة. الحريّة كما أسّس لها العقل المسلم، لا تُفْهم من باب أنها جغرافيا الذّات في المدينة: أي في علاقاتها الأفقية في محيطها«الآن وهنا»، ولكن من باب أنها جغرافيا الذّات في القبر: أي في علاقتها العمودية مع اللّه. النتيجة الفورية لسوء الفهم هذا هو تطابق مفاهيم الحرية والحقّ والواجب مع مفاهيم الحلال والحرام والفروض والسنّن، ما أُكّد منها وما نُدِبَ، و ما إلى ذلك من تصنيفات تنتمي للحقل الدلالي العَقَدي. قام بذلك كهنوت سكولائي إسلامي على مرّ القرون عبر الفقهاء، يضطلع بدور النطق بما يريده الله وما يقصده، بالتالي، تحديد علاقة الفرد مع الله و تسقيفها (الحلال والحرام).

التحالف الموضوعي لفقهاء مع مختلف السّلط السياسية التي عملوا لها وشاركوا في بناء مشروعيتها، أدّى إلى تمطّط دور الدّولة من جهة كسلطة تراقب مطابقة خيارات الفرد في علاقته العمودية مع أمر الفقيه، ومن جهة أخرى إلى تمطّط دورالمؤسسة الدينية، فأصبحت العلاقات الأفقية في المدينة، والمنظمة من طرف الدولة، في صميم عمل الفقيه. اِستعان الفقهاء في ذلك كلّه بتضخم مادّة الحديث عبر القرون (تضاعفت الأحاديث المجمعة بين القرنين الأول والثالث للهجرة، بداية عصر التدوين)، وبتكريس تلك المادة من قبل الشافعي كنص وحيّ مقدس ثانٍ بعد القرآن(راجع كتاب جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث).

تميّزت الترسانة الفقهية المتراكمة بنجاعتها الشديدة في القضاء على المخالفين، فقد تمكنت مع حلول القرن الخامس الهجري، من الإجهاز على ما من شأنه أن يتطوّر بالبنى العتيقة في التّفكير، فوُئِدت التّيارت الفلسفية و أنساقها المُعَقلنة والمُعَلمنة النّاشئة في المهد، كما سُحقت باقي الطوائف الإسلامية من معتزلية وإسماعيلية وزيدية ودرزية وعلوية وصوفية فلسفية، وأجلتها إلى أطراف العالم الإسلامي ومناحيه النائية.

لقد تمكن الغرب المسيحي تدريجيّا من إجلاء المسائل العقدية إلى المجال الخاص الفردي، وإقرار مفاهيم الحرية الجديدة وفق قاعدة«حريتك تنتهي حيثما تبدأ حرية غيرك». العقل المسلم من جهته، والذي لم يعرف قط مرحلة الحداثة ولم يدخلها، بقي على أنماطه العتيقة في الوعي والتفكير، ومع قيام دول الاستقلال في زمن ما بعد الحداثة، تبلور سوء تفاهمه التّاريخي مع مفهوم الحرية في شكل خلط شديد بين الممنوع و الحرام، وبين الإثم والجنحة. فحينما يسمح القانون الجزائري مثلاً للمواطن أن يشتري قنينة بيرة، ينطلق العقل الجزائري العتيق في بنائه اللاهوتي من الأفكار: يُؤَسَّس الأمر على أن جهاز الدولة يُرَسِّم له سقفا جديدًا في علاقته مع اللّه، يقع شرب الخمر دونه فلا يؤثم عليه، أي أن الدولة جعلت الخمر حلالا، بما يحمله اللّفظ من دلالة دينية، وهو ما يُخالف صريح النص المقدس، بل وينكر معلوما من الدّين بالضرورة.

يُمنّي بعض التقدميين النّفس بأن هذا الارتكاس سيتوقف عند الخمر، لكنهم يجهلون أن مجرور التّحريم وإسهال التأثيم الذي أنتجته السكولائية الأصولية، والّتي يخبز الوعي الجزائري في أفرانها حصرًا، يكاد يكون غير مسقوف. أبشروا و أبشرن، أن بعد الخمر ستكون إلزامية إقامة الشعائر ومنها الصلاة، ومنع الموسيقى رقية الزنا ومزمار الشيطان (بتعبير ابن القيم الجوزية) وهي حرام بالإجماع، وبعد الموسيقى سائر الفنون من نحت ورسم، والنّصوص الصحيحة فيها محكمة. بل إن للسكولائية الأصولية نصوصا فقهية قانونية كثيرة في الملبس(الحجاب محسوم فيه طبعا) وطول السراويل واِتساع القمصان وأنواع القماش التي يصنع منها ذلك كله، وطول اللّحية والشّارب وحتى تسريحة الشعر (من ذلك تحريم القزع، والأمر بإطالة الشعر إن قصّر الكفار والعكس). باختصار،هذا الخلط بين الممنوع والحرام، وبين الإثم والجنحة، سينتج منظومة تجعل كيم جونغ إيل يحمرّ خجلا، إذ ستبدو كوريا الشّمالية فسحة من الليبيرالية المتحررة المتسيبة بالمقارنة مع حالنا.. قد يكون اِرتكاس العقل الجزائري، والمسلم عامة إلى بنى فكرية عتيقة، ارتكاسا نهائيا وبداية للسّقوط الحر إلى خارج التاريخ هذه المرّة، لكنّ ما بقي من هامش من شبه حرية يستحق أن ندافع عنه، فارفعوا أقداح شرابكم إذن. نخبكم!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.