الجمعة، 23 أغسطس 2019

المثليون في الجزائر: الحقّ في الحب

المثليون والحب والحراك الصامت

مما لا شكّ فيه اليوم أن عالم المثليين، في الجزائر، لم يعد عالمًا مشبوهًا، حيث يتقمص المثليّ دور المُرتاب، كما لو أنه يلعب الغميضة بحثًا عن حب حياته، بسرية تامة، خوفًا من ردود فعل مجتمع ينقصه إكسير الحياة.
المثليون في الجزائر صار لهم عنفوان داخلي، وشغف عيش، وروح نضالية دفاعًا عن حقوقهم التي يتوصّلون إليها بالقطرات، أصبحت قضاياهم تشغل الحيّز نفسه الذي تشغله قضايا اِجتماعية أخرى، في البلد، وفرض المثليّ نصيبًا وفيرًا من الاهتمام في الإعلام، ولم يعد بوحه بحب شخص من الجنس نفسه من التابوهات مثلما كان عليه الحال في السّابق، بل صار من العادي أن نرى المثليين في أمكنة عمومية وهم يُجاهرون، بلا خجل، بحبهم لبعض بعضا، وإخلاصهم لحبيب يختارونه بقلوبهم في الشّوارع أوالمسابح أوالشواطيء أوالمطاعم أوالأحياء الجامعية، و لم يعد المثليّ يُبالي برهاب المثلية، فكلّ ما يهمه أن يعيش كجزائري، بكل ما يستحقه من اِحترام.
الاختلاف ليس جريمة، الاختلاف جزء من النّسيج الحيّ للعيش المشترك، ولا يمكن قطعًا أن نتحكم في خيارات أفراد، وأن نمنع بعضا منهم من الحب والتّطلع إلى علاقات ثابتة، فالحب فضيلة والكراهية رذيلة.
لنكن واقعيين، أن نشاهد رجلان يتعانقان أفضل من أن نشاهدهما يتقاتلان.
لقد مررنا بعشرية سوداء، كان النّاس فيها يذبحون بعضهم بعضا، عشرية تفشّت فيها الكراهية كالطّاعون، فماذا نختار اليوم، الحب أم الانتحار؟
المثلية هي ظاهرة طبيعية، سنجدها بين كل أنواع الكائنات الحيّة تقريبًا، خاصة منها الثدييات، والنّوع البشري لا يشذّ عن الطّبيعة، وقد أثبتت بحوث علمية أن المثليّة الجنسية ليست مرضًا، كما كان ينظر لها في الماضي، بل هي خيار طبيعي، ويؤكد علماء على إنه أمر جيني، وهذا وارد جدًا، وقد أقرّت منظمة الصّحة العالمية عام 1990 بعدم اِعتبار المثلية مرضا بأي شكل من الأشكال، وبأنها أمر طبيعي.
المثليون يعيشون اليوم حياة أفضل في البلدان المتقدمة، وهي بلدان تضع حقوق الانسان فوق كل اِعتبار، مستفيدين من الكشوفات العلمية الحديثة التي تخدم قضيتهم، وأكثر من خمسة عشر دولة أقرّت الحقّ في الزواج بين مثليي الجنس، آخرهم اليابان.
المثليون يتمتعون بحقوق تحميهم في الدّول المتقدمة، ويعانون اِضطهادًا في دول أقلّ تقدمًا، وهذا مؤشر على أن اِضطهاد المثليين مرتبط بمستويات التّعليم والتّخلف، فبينما نرى أن بلدًا مثل لوكسمبورغ، حيث يعتبر مواطنوه من بين الأعلى دخلاً في العالم، له رئيس وزراء مثليّ هو أكسافيي بيتال(1973-)، نجد المثليين في دول عربية يُعانون الأمرين.
في الجزائر يبدو الحال أفضل مما هو عليه في دول الجوار الأخرى، فالمثليون باتوا يشاركون في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وصار من العادي أن نجدهم يشغلون مناصبا عليا، وينجحون في التسيير وفي ممارسة الفنون.
الموسيقى التي يؤديها مثليون تفرض حضورًا واسعًا، في الجزائر، والأمر ليس غريبًا، فالجزائريون يرقصون في أفراحهم وحفلاتهم على كلمات أغانٍ تمتدح المثلية، وتدافع عن التّسامح. من لم يسمع لهواري منار، ذلك الفنان المثليّ الذي دخل صوته قلوب الشباب؟

المجتمع أصبح يتقبّل المثليين وأصبح بعض منهم يتزاوجون فيما بينهم، لكن بدون عقود رسميّة، يتقاسمون المسكن ذاته والحياة نفسها.
و على غرار أردوغان في تركيا، الذي منح حقوقًا للمثليين وسمح بصدور أول مجلة لهم، وهو من حزب ذو توجه إسلامي، وبعده الغنوشي في تونس، رئيس حركة النهضة الاسلامية التي لم تُجرّم المثليين، هل سنرى إسلامويين، في الجزائر، يُدافعون عن المثليين من باب اِحترام حقوق الإنسان؟
هناك الكثير من رجال السياسة ومن المفكرين الجزائريين، على غرار رشيد بوجدرة، الذين عبرو عن مساندتهم لحقوق المثليين في الجزائر، كونهم قدّموا الكثير من التّضحيات في النّضال الوطني ويستحقون العيش بكرامة مثل المواطنين الآخرين، فهم ليسوا بحاجة لتسوّل حقوق لهم من أحد، بل حقوقهم يضمنها الدّستور، ولا يحق لأحد التّدخل في خصوصياتهم.
إن المثليين جنسيًا في الجزائر يعيشون منذ فترة حراكًا فكريًا واجتماعيًا يحمل رغبة في تغيير عقلية المجتمع ونظرته إليهم، ففي وقت مضى كان مجرد أن يبدو الفرد مثليًا على ظاهره قد يسبب له الأمر ردود أفعال سلبية من الآخرين، لكن اليوم، أصبح المثليون أكثر تحررًا من أي وقت مضى وأصبح المثليّ منسجمًا مع هويته الجنسية، متصالحًا مع الآخر، والآخر متسامحًا معه.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.