الأربعاء، 17 يوليو 2019

لعبيدي في عاصمة الرقابة

السّينمائية نادية لعبيدي ستجد نفسها، قريبًا، في ورطة، غير قادرة على التّراجع خطوة إلى الوراء، وتصويب ما فات، فقبولها حقيبة وزارة الثّقافة، على مضض، العام الماضي، سيضعها في مواجهة صعبة بين شخصيتها كمبدعة ومنصبها كوزيرة في حكومة تقرّ بالتّضييق والرقابة والتّحرش بالحريّات، هكذا ستكون مُضطرة للتّخلي عن قناعاتها، وركوب موجة الشيزوفرينيا الرّسمية، فقانون الكتاب الذي سيُصادق عليه، لا محالة، في الأيام القادمة، سيجعل من الجزائر واحدة من أهم قلاع قمع الحريات في الوطن العربي، فبعد قانون السّينما (2011)، سيأتي قانون الكتاب ليعزّز حضور الرّقيب في الخيارات الفردية، ويزيد المشهد الثّقافي، في البلد، سوداوية.

مستقبلا، سيكون سوق نشر الكتاب وتسويقه محدّدًا بضرورة اِحترام الدستور والدّين الإسلامي ومُتطلّبات النّظام العام، بعبارة أخرى، سيكون الكتاب وسيلة أخرى من وسائل البروباغندا السياسية، وستمنح الوزارة نفسها حقّ مصادرة كتب من يُخالفها في الرّأي، ومن يرفض الالتحاق بسفينة المحاباة، ستصير يدها أشدّ بطشًا بالإبداع، وستُسيّر أذواق القراء بما يتماشى مع رغباتها، تمنحهم جرعات من النّصوص التي تخدم خطّها العام، وتمنع عنهم ما يضر مصالحها من نصوص فاضحة، هكذا، لن ننتظر كتبا أخرى في مُساءلة التّاريخ، وفي هدم المُسلمات، وسننتظر دور نشر أجنبية لتحدّثنا عن ماضينا، وتُضيء النقاط المظلمة من التحولات المباغتة التي عرفها تاريخ البلد المُعاصر، وتحت مظلة اِحترام الدّين الإسلامي، سيصير الدّين قاعدة صلبة يتكأ عليها الحاكم لمواصلة تسيّده على العامّة، يمنع كلّ المراجعات الأساسية، ويُبقي على القناعات ذاتها، فهي السّبيل الأمثل لإبقاء الحال على ما هو عليه الآن.

مع قانون الكتاب الجديد، سيكون من الضّروري تغيير اِسم لجنة القراءة، في وزارة الثّقافة، إلى لجنة القراءة والرقابة وهي لجنة تتشكّل عادة من موظفين، يمارسون الأدب كترف، لا كشغف، ستتحوّل مهمة اللّجنة نفسها من قراءة المخطوطات، والنظر في قيّمها الأدبية، إلى قراءة المخطوطات لكتابة تقارير عنها، ومُطابقة محتواها مع ضوابط الدستور والإسلام، سيصير أعضاء اللّجنة نفسها يمارسون عملا لايختلف عن عمل الدركي أوالجمركي، ينظرون إلى النصوص بعين الرّقيب، لا بعين النّاقد المُتنوّر، فقد دخل سوق الكتاب، في الجزائر، عصرًا جديدًا، تخلى عن وظيفته الأساسية في المعرفة والإبداع، وبات أداة فعالة لخدمة المنطق الواحد، الصّوت الواحد.

ستعيش وزيرة الثّقافة لعبيدي أيامًا هادئة، بعد المُصادقة على قانون الكتاب الجديد، ستكسب نقاطا إضافية في علاقتها مع السّلطة العليا، وستثبت لسادة الأمر مدى ولاءها وحرصها على خدمة التوجّه الرّسمي، لكن نفسيًا هي تدرك حجم المأساة التي تضع فيها سوق الكتاب، وهي القادمة من وسط ثقافي عانى كثيرًا من تعسف النظام في تعاليه على النّخب المثقفة، وعلى عامّة المجتمع، فمجرد منح وزارة الثقافة صلاحيات تقديم مساعدات للنّاشرين هو سوء فهم للعملية الإبداعية، فقد كان من الواجب على الوزارة أن تمنح دعمها، وملاييرها السّنوية لتوسيع شبكة المكتبات، في الجزائر، وحمايتها والدّفاع عنها، أن تقدم مساعدات لشبكات التّوزيع لتقوم بدورها في توصيل الكتاب، خصوصا إلى جنوب البلاد، مع فتح سوق النّشر للمنافسة. وليس يُعبر منطقها في دعم الناشرين سوى عن رغبة صريحة منها في السيطرة على ما يصدر من كتب، وفرض وصاية على دور نشر غالبيتها قبلت اللّعبة، وتواطأت مع الوزارة في مساعيها لتمييع سوق نشر الكتاب.

لقد تعوّد القارئ، في السّابق، على عدم الوثوق في كتب تحمل شعار وزارة الثّقافة، وسيجد في القانون الجديد حجّة أخرى لعدم الاقتراب من منشورات الوزارة، التي ستتسع لها مستودعات الحفظ والتكديس، ولن تتصالح مع جمهورها إلا في حالة تخلي الوزارة نفسها عن التّعامل مع القارئ باعتباره قاصرًا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.