الجمعة، 23 أغسطس 2019

يوميات حرب على بلاد حزينة

جمال جبران

لا أنام وفي البيت صوت مرتفع. أضيع في الأرق لو حلّ موعد نومي وقد نهض النّاس لأشغالهم وراحوا يصدرون أصواتاً عالية. ولهذا أحرص أن تكون غرفتي، في منزل العائلة، واقعة في أقصى نقطة منه، وبعيدة عن ضجيج الشّارع، كأن الغرف التي أمامي لها أن تلعب دور حائط الصدّ الأول، وهكذا مع باقي الغرف والصالة الكبيرة تدريجياً، فلا يصل الصوت الخارجي إلى مكان نومي إلا وقد مات واِنتهى.

لكنّ ما العمل في حال لو جاء الصوت من صاروخ، من طائرات وحرب تدور في يومها الثالث. لقد حدث الأمر وكأن الذي فينا ومعنا لا يكفي كي تمنحنا الحياة فرصة للراحة. لم نكمل حالة «الحوثي» بعد، لتهبّ «عاصفة الحزم». لقد أتت بصواريخ، وغبار موسمي من صحراء الخليج حجب الرؤية عن النّاس في الشوارع، ومنعني من الخروج. كيف أعمل بنومي وأنا أريده أن يكتمل لينتهي هذا اليوم الطويل للغاية. الطويل أكثر مما ينبغي ويقترب من جعلي أصرخ في وجهه.

لم أمسك بنومي فعلاً. فشلت.

نهضت مستذكراً تلك المعلومة النفسية التي تقول: «إن أي بقاء في السّرير بعد ربع ساعة من فشلك في العثور على النوم معناه اِستحالة أن يأتي». عليك أن تنهض فوراً وتروح لعمل شيء له أن يستهلك طاقتك لفترة، قبل الدخول مجدداً في محاولة النوم.

قلتُ سأكتب مقدمة لتقرير أرسله للجريدة، التقرير السياسي اليوميّ عن حالة العدوان على بلدي. وفعلت. بدأت أكتب مستنداً على كتلة حزن بداخلي وعليها سيطلع تقريراً مؤثراً يحكي صراحة عن حالة بلد فقير يقع تحت طائلة العقاب.

وكان التالي: «تُخلّف الحروب وراء ظهرها ضحايا أحياء، لكن غير مرئيين يتعمّدون مداراة أحزانهم وألمهم الشخصي عن المحيطين بهم، بسبب من الكبرياء الذين يحملونه بداخلهم. ويتضاعف ذلك الألم إذ يأتي ناتجاً عن حرب ظالمة وعدوان من جهة دولة إسلامية وشقيقة وثرية، تعتقد أنها بالمال الكثير الذي معها قادرة على فعل حروبها وهي واثقة من كونها لن تلقى عقاباً من أحد».

لم أكمل الفقرة. توقفت بدافع من ذات الكبرياء الذي ذكرته أنا في المقدمة. حزنتُ على حالي فعلاً وشعرت بأني أتاجر بألم الآخرين، على الرغم من كونه ألمي الشخصي. توقفت مستغرباً من الدموع الظاهرة في الكلمات والحزن الذي يلّونها. ومع أن تلك اللغة هيّ لغتي التي أكتب بها في العادة، لكنّ شعرتُ بأني أشحذ بها، شعرت بأني أستجدي بها تعاطف أناس لا يشعرون بحجم الألم الذي نقيم فيه اليوم. هي لغتي الحزينة نفسها لكنّها أن تأتي في هذا التوقيت المؤذي للقلب فهذا يتركه شديد الحساسية ويمكن لقطرة ماء أن تخدشه.

تُخلّف الحروب ضحايا أحياء، لكن غير مرئيين

اِنقطع التيّار الكهربائي فتوقفت عن ضرب لوحة المفاتيح. حاسوبي بلا بطارية داعمة في أوقات الشدّة والأزمات. ينطفئ الجهاز بمجرد انقطاع التيّار. أبقى أنظر للجدار أولشاشة التلفزيون الرمادية. ضوء الفجر القليل والداخل إلى غرفتي من حديقة البيت الخلفية أعطى لوناً رمادياً لتلك الشاشة. لكنّ لم يمتد ظلامي طويلاً. لقد عاد التيّار على نحو غير مألوف. ربما أعادوه اعتقاداً منهم بأننا محرمون من التيّار من فترة طويلة، بعد أن تاهوا في جدول الانقطاعات الكهربائية الذي يسيرون عليه.

المهم أن الكهرباء عادت لكنّ لم أعد راغباً في كتابة شيء. اكتشفت فجأة بأني أفعل كل هذا الضجيج من أجل نسيان فراغ البيت من العائلة. لقد تركوني وحدي وذهبوا إلى بيتنا القديم في وسط البلد. خافوا من أصوات القذائف ومضادات الطائرات التي بلغت أمس ذروتها. لقد فعلوا ذلك وكأن بيتنا القاعد هناك سيكون في الأمان ولن تقترب منه صواريخ طائرات أف 16.

لقد تركوني وحدي وذهبوا

وأنا أحب العزلة وصمت البيت لكنّ على أن يكون ذلك في سياق طبيعي وليس بسبب طارئ يفرضه ويجعله متوحشاً على الحالة التي يبدو عليها وهو بدون أهله. لا أهوى الأشياء التي تأتي رُغماً عنيّ كما أن العزلة والبقاء في مواجهتها تفتح على الواحد منّا رغبات كان يعتقد بأنه قد أغلقها إلى الأبد. البيت الفارغ يفتح على الواحد باباً على الأيّام الماضية، فالبيت الفارغ يشبه ساحة ممكنة ومفتوحة لأن يمشي الفرد عارياً فيها من كل شيء. وهكذا تأتي حالة العزلة بفكرة البيت الفارغ ويأتي الفراغ بفكرة المضي في فعل التعريّ ويأتي التعريّ بكل شهوات الدنيا وكانت تحصل في هذا البيت عندما كان يبقى فارغاً لشهر وشهرين وأظهر كلاعب وحيد في ملعب تحرسه الرغبة و.. الحب.

يأتي التعريّ بكل شهوات الدنيا

أنظر لقائمة الأرقام المُسجلّة على هاتفي. ليس من عادتي حذف أيّ رقم مهما فعل صاحبه أوصاحبته أورحل أومات. لا أقدر على حذف أرقام أصدقائي الموتى، أشعر بأني هكذا فعل أُعيد اِرتكاب موتهم أوكأني أقتلهم مجددًا.

أتوقّف عند رقم محدد. أنا ما زلت أحفظه عن طيب خاطر. صرت أنسى كثيراً لكنّ لم أقدر على نسيانه. عندما كان يأتي وقت اِجتياح النّار الجسد والعقل يأتي هذا الرقم ليكون دليلاً من أجل تمهيد وصولي إلى هناك، أو وصولها إليّ.

كيف تقدر الحروب على إشعال الرّغبات! هل هذا التوقيت مناسب للتفكير في طريقة لتليين الكائن المستقيم!

بدأت القصة قبل سنوات. خمس سنوات! يمكن.

سأهزمك، قالت لي. أنت هشّ ولن تذهب في الوقت معي. اِعتدت هذا الكلام ولم ألتفت إليه فأنا أعرف طريقي. لتنطلق اللّعبة التي لا تريد أن تنتهي إلى اليوم.

أتحداكِ، قالتها مجدداً ومرّات. في الاتصالات الهاتفية، في الرّسائل، في التعليقات المكتوبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يكن يفهمها أحد غيرنا.

وسار كل شيء بهدوء. لندخل تماماً ولتسمع أصواتنا كل هذه الجدران الصامتة وتتأملنا كصديق وفيّ لا يكشف سراً.

عندما وصفتُ لها طريق البيت لم أقل أن تتحاشى السير قرب المسجد الواقع في الفتحة الثانية والمؤدية إلينا. هيّ سارت من هناك وكان وقت صلاة.

شكل خطواتها كان كافياً لإحراق مدينة.

قالت: سأهزمك وفعلتها.

 

أقع في كل مرة في بئر التساؤل نفسه. كلّما تكرر الأمر يعيد نفسه ولا أقدر على سؤاله علانية: «كيف لا يأخذ أمر زوال الستار وقتاً ومراجعات لتبقى الملاك على البياض أمام قرين تقف أمامه هكذا لأول مرة!». ربما أرى المسألة من جهتي وأنا الذي ألقى صعوبة في انكشافي أمام غيري. أوربما أن العُري الحقيقي قد حدث فعلاً أثناء الكلام والحكي عن الهدف المُرتجى. كل شيء يحدث قبل اللّقاء وكل الماء يُسكب قبل اللقاء وكل صوت وتأوه إنما يصدر قبل اللقاء، وما يحصل لاحقاً – بعد اللقاء – لا يكون سوى تفاصيل زائدة عن الحدث الأصلي.

وقالت: سأهزمك وفعلتها.

هل صدمني الأمر! ربما لكنّها كانت هزيمة بكرامة. شعورها بالزّهو فيه انتصار لي. تلك السّعادة، التي كنت تظهر على خطواتها وهي تسير– كما خُلقت– على الممر الواقع في منتصف البيت ويؤدي إلى النقطة التي ستقر فيه برّاد الماء، هي سعادتي أنا. لقد خرجت منيّ مُنتصرة وسعيدة وهذا نصر لي.

لكنّ ما حدث، خصوصاً في اللقاء الأول كان ساحة لاكتشافات جديدة لم أرها من قبل. ما أثارني أنها فعلت كل شيء، قالت إنها ستهزمني فيه وقد كان. قد لا يبدو سرد مثل هذه الأحداث مرضياً وساراً لرجل وقع في اِختبار رجولته أوبشكل أدّق وقع في عدم قدرته على إكمال الدورة الرابعة من سباق اللهاث. يظهر الأمر هكذا لمن يراه بطريقته. لكنّي لم أخسر بل كان نصيبي الكبير وأنا أشاهد كيف يصل اللسان إلى أماكنه المحددة دون طلب منه. الطلب إرهاق وتكراره في كل نقطة إرهاق مضاعف.

لقد كانت تسير على طريق من صنع يديها وعطره.

في التالي، لم يعد الأمر سباقاً. محاولة البقاء فقط على هيئة كتلة واحدة لأطول وقت ممكن من غير حواجز للصوت. الصمت مرعب والسفر بصوت مكتوم قتل للسفر ذاته. يبدو العُشاق في المجتمع المحليّ واقعين تحت فرض الأمر الواقع. الزواج والبقاء في بيت العائلة يمنع الأصوات من فعل رحيلها. البيت المنفصل يعطي حريّة للصوت.

مرات كثيرة كان صوتانا ينتهيان على هيئة ملفّات صوتية على اللابتوب. ملّفات صوتية كثيرة لا أعرف أين اِستقر بها الحال. كان يروقني اِستعادة الصوت في أوقات الفراغ.

كنت مريضاً به، وبها.

سألتها: كيف يتلّوى ذلك اللحم وأين تذهب عظام الجسد!

لنضع فعلنا موّثقاً في كاميرا ونرى بعد ذلك.

الجهاز موصول بشاشة الصالة الكبيرة وينقل الفعل مباشرة. كان مجرد التّفكير في الأمر يُنزل الماء فكيف بكونه واقعاً!

لم أكن مهزوماً أبداً. هي رغبة في تذوّق لذّة الضحية.

والآن..

كيف يبدو هذا الرقم هنا حاملاً لكل هذا التاريخ! كأن الأرقام تحكي.

لن ألوذ به.

الغارة الجويّة بدأت قبل حلول المساء.

فعل اِستذكار حدث في الماضي أجمل من إعادة فعله.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.