الخميس، 27 فبراير 2020

طقوس العيش في جسد ممتلئ

عارضة الأزياء نادية

صحيح أن المرأة النّحيفة، مشدودة القوام، هي الموديل الأكثر شيوعًا في العالم، المرأة ذات جسد معجون على إيقاع موسيقى صلصة هادئة وناعمة، التي لا تتسامح مع التّرهلات، ولا تنظر إلى نفسها في المرآة سوى باعتبارها بنية موحّدة، خطًا شاقوليًا، بظلّ متناسق، لا تطفو عليه الزّوائد، لكن، في الجزائر الأمر يختلف، المرأة المحلية تُحاكي الأجنبيات في طقوس لهن، وتخالفهنّ في أخرى، والرّجل الجزائري يتفاعل إيجابًا مع صور وفيديوهات نساء أجنبيات نحيفات، تبرز عظام في بعض أطرافهن، ويتمنى، في الوقت نفسه، التّقرب من ذوات البدن المُكتنز، المتصالح مع النتوءات.

الرّجل الجزائري ليس ثوريًا في علاقته بالجسد الأنثوي، لم يحاول أن يستثمر في التّحولات اللّحظية ليفرض نظرة مختلفة في تعاطيه مع الجنس اللّطيف، وظلّ دائما وفيًا للموروث الاجتماعي، والتراكمات النفسية التي اِلتقطها من الأجيال السّابقة، فالجسد الأنثوي الأمثل في مخيّلته هو جسد مُطيع لفانتازم الجغرافيا الطارئة، بنهدين وأفخاذ ومؤخرة، وحركات هندسية متمايلة على مستوى الحوض، مع وجه مدوّر، شديد البياض، الممزوج بالاحمرار، والممتلئات هن – برأيه – الأكثر سخاء وحبًا ورغبة في الحياة، ثم تأتي، في مرحلة ثانية، المقاسات النفسية في تعامله مع المرأة، بأن تكون، مع كلّ ما تحمله من علامات مورفولوجية، مُتخلّقة وذات سلوك حسن، ويستحب في المرأة أيضا الطّاعة والخضوع.

هكذا إذًا تبدو علاقة الجزائري مع جسد المرأة مبنيّة على تخيّلات ذاتيّة، يرسم لها هيكلا ويطلب منها أن تتمثّل به، يحدّد لها صفات داخلية ويُلزمها بلعب الدّور المُراد منها كما ينبغي، يقاسمها حياة ثنائية، ولكن لا يتوقف، من حين لآخر، عن تأمل النّحيفات، ذوات الجسد المسطّح، مُقارنًا بينهن وبين نساء يُصادفهن، في الشّارع، وآخريات يتعايش معهن.

الحياة في الجزائر، مع ما تحمله من ضغط وقلق، ربما لا تُناسب كثيرا ذوات الجسد النّحيف، فالمشاغل اليومية ليست مُشجعة على اِتخاذ أوقات فارغ منتظمة لممارسة الرّياضة، والحفاظ على رشاقة البدن، والحمية الغذائية ليست دائما وصفة جادّة لبلوغ تشابه مع المرأة الغربية، في ظلّ الحالة الخانقة، نفسيا و اِجتماعيا، التي تعرفها المرأة في الجزائر، صار مفروضًا عليها قبول جسدها كما هو عليه، بمغرياته وسلبياته، والأمر سيكون هينًا عليها بما أن نظيرها الرّجل أيضا قبل الأمر، وأفرد اِهتمامًا بصاحبات الجسد الممتلئ، أكثر من نظيرتهن النحيفات، التي تقل في مظهرهن التكوّرات، وهي أصل معنى الأنوثة بالنسبة للرّجل الجزائري.

في مجلات الموضة، وفي الومضات الإشهارية، تكاد صور الأجساد النحيفة تصعق الأنظار، وتجذبهم بقوة نحوها، كما لو أن الجمال الأنثوي بُني على مُفردة واحدة، وعلى عمود قناعة ثابت، وعلى جسد تاريخي لا يقبل العناد، لكن الرّجل فهم أن الواقع يلزمه بالفرز بين ما يريده وما يستطيع بلوغه، وليس من الممكن دائما ملامسة الأجساد التي يحلم بها، لهذا فهو يرضى بما كُتب له، ويواصل، في السّر، تأمل ما عجز عن بلوغه، حالمًا بأن يجد فرصة له لتجريب ما لم يتوافر له في الحياة اليوميّة.

لكلّ رجل فانتازم ينزع للحفاظ عليه، ولكلّ اِمرأة جسد يصعب عليها تغيّره، من هنا لا يمكن الجزم والقول أن كل الجزائريين يفضلون شكلا معينا من الأجساد، وأن كلّ النسوة يمتلكن مورفولوجيا ثابتة، لكن الشّيء الأكيد أن الرّجال يحترمون كثيرًا النّساء المنسجمات مع أجسادهن، اللواتي يعرفن كيف يبتهجن بها، ويخلّصنها من عبء عقدة النّقص.

علاقة الجزائري مع جسد المرأة مبنيّة على تخيّلات ذاتيّة

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.