الخميس، 27 فبراير 2020

قم للمعلم وفّه التنكيت..!

التنكيت يصيب فئة المعلمين

«حاولت أُمّ، بجميع الوسائل، دفع ابنها الصّغير للنّوم، ولكن دون جدوى، في الأخير قالت له: اسمع يا بُني، نم وسأمنحك مبلغ 200 دج مباشرة عندما تستيقظ. لم ينم الطّفل، زوجها المعلم الذي كان بجانبها هو الذي نام»!.. هي واحدة من عشرات النّكت، إن لم نقل مئات النّكت، المتداولة عن شخصية المعلم، في الشّارع الجزائري، بجميع أطيافه، بما يؤلّف كتابًا كاملاً.

هناك أسئلة كثيرة تُطرح بإلحاح عن دوافع هذا التوجّه نحو التنكيت على المعلم من طرف الشّارع الجزائري. لماذا المعلم بالذات وليس المهندس أوالمُمرض أوالطبيب مثلا؟ ولماذا برزت النّكت، في السنوات الأخيرة فقط، وليس في سنوات السّبعينيات أوالثمانينيات؟ ولماذا أصبحت النّكتة اِجتماعية أكثر منها سياسية، كما كان عليه الحال في زمن الحزب الواحد؟ ثم لماذا المعلم بالذّات، أي مُدرّس الطّور الابتدائي وليس الأستاذ في الثانوية أوالجامعة مثلا؟

وأخيرًا، لماذا تُطلق على المعلم أوصاف محدّدة دون غيرها، وعلى رأسها الطمع والجشع أحيانا؟ كما تعكسه بوضوح النكتة التالية: «كاد صيّاد سمك أن يخرج خائبًا من صيده، لولا أن أبرقت له فكرة أن يضع ورقة 200 دج في الصّنارة، ليتفاجأ بأنه يصطاد معلمًا!»، أو صفة البخل كما تقول نكتة: «اصطدمت سيارة بمعلم، حملته سيارة الإسعاف، ترجّاهم قبل الذهاب إلى المستشفى التوجه إلى منزله ليبلغ أسرته بالحادث، وصل إلى منزله، جاء اِبنه يجري، قال له وهو يئنّ من داخل سيارة الإسعاف: اسمع قل لأمك أن تطبخ حبّة بيض فقط، لأنني سأتعشى في المستشفى»!، أو أن تصل نكتة تثبيت البخل على هذه الفئة من الموظفين إلى ذروتها، عندما تتقاطع مع رعب العشرية السوداء، سنوات التسعينيات، من خلال النكتة التالية: «أوقفت جماعة إرهابية حافلة مسافرين، في حاجز مزيف، وشرع  أمير الجماعة يسأل المسافرين عن مهنهم، سأل مسافرا قال: أنا موظف إداري، أمر بقتله، سأل آخرا، قال: أنا مهندس معماري، أمر بقتله، وهكذا، إلى أن وصل إلى رجل كان يبدو من ملامحه الوقار، سأله ما مهنتك أنت؟ أجابه: أنا معلم، فما كان من أمير الجماعة إلا أن اِنتزع من جيب معطفه بالقوة ورقة نقدية من فئة 100 دج، فسقط المعلم ميتا».

النكتة كظاهرة سوسيولوجية

يخطئ من يسفّه النّكتة، أو يصنفها ضمن خانة اللامعنى، النكتة من منظور العالم النفساني فرويد «هي إحدى وسائل الدفاع اللاشعورية التي يعتمد عليها الإنسان في مواجهته للضّغوطات الناجمة عن العالم الخارجي، مثلها مثل سائر الوسائل الدفاعية الأخرى، تحاول أن توجد نوعا من التوازن النفسي وإخراج الدوافع والطاقات المكبوتة». ولعلها الفضاء المناسب الذي يُمكن فيه للمجتمع أن يعبّر بصدق وبدون مواربة، عن دواخله ومكبوتاته. النكتة هي الوسيلة التعبيرية الوحيدة التي يمكن بواسطتها التحايل على الثالوث المحرم: الجنس، الدّين والسياسة، بشكل يضمن تقبّلا ورضا من طرف المتلقي، الذي قد يرفض طرحها ضمن أشكال تعبيرية أخرى.

خلال سنوات ما بعد الاستقلال، وقبل أن تفرض اِنتفاضة أكتوبر1988، وتضحيات شبابها، واقعًا مغايرًا للأشياء، لم تكن هناك صحافة مُستقلة، ولا مجالات للتعبير الحرّ، وحدها النكتة كانت فضاءً للتعبير، اتّخذها الناس وسيلة للتنفيس عن مكبوتاتهم، والتعبير عن رؤيتهم وتحليلهم لوضع البلاد اجتماعيًا، اقتصاديًا وسياسيًا، وكان الرّئيس الراحل الشاذلي بن جديد(1929-2012)، من أكثر رؤساء الجزائر تعرّضا للنكت كما هو معروف، حيث اِستغل الشّارع فيما يبدو ضعفه الثقافي، وعدم فصاحة لسانه، حتى أنه في يوم من الأيام، وكما تقول النكتة، اِستلم كتابًا ضخمًا يتضمّن مئات النكت عنه وعن حكمه، وفي لحظة غضب، رمى بالكتاب صوب البحر، ليتفاجأ بعد مدّة بالسّمك يضحك ضحكا هستيريا!

بالمقابل، تسامحت النكتة مع سابقه الرئيس الراحل هواري بومدين(1932-1978)، والذي لسبب أو لآخر صوّرته النكت التي تناولته، على ندرتها، بالشطارة أحيانا وأحيانا أخرى بالصرامة الشديدة في حكم البلاد. والمفارقة أن النكتة توقّفت أوتكاد عن تناول الرئيس الحالي للبلاد، ربما لأنها وجدت في وزيره الأول عبد المالك سلال، من خلال خطبه ومواقفه الارتجالية، الأرضية الخصبة للتنكيت.

وحتى وإن بدا لبعض السّاسة، خاصة العرب منهم، أن النكتة الشعبية وبرامج السخرية تقلل من شأنهم وتضعف هيبتهم، الأمر الذي دفع حكوماتهم إلى محاربة كل أنواع النكت والرسوم الكاريكاتيرية والبرامج السياسية الساخرة التي تتناول حكمهم، فإن النكتة في الغرب أصبحت مقبولة من طرف الجميع، وتبرز في العديد من البرامج السياسية الساخرة، التي باتت تحظى بنسبة عالية من المشاهدة، وقد حدث أن سُئل فرنسوا ميتيران، الرئيس الفرنسي الأسبق، عن موقفه من برنامج ساخر كان يصوّره كضفدعة، فأجاب: «الأحسن أن أكون ضفدعة أُضحك الفرنسيين على أن أكون وحشا يُخيفهم»، ويقال أن الرئيس السّابق نيكولا ساركوزي كان يحثّ القائمين على تنشيط برنامج «كانال بلوس» السّاخر، على تناوله بشكل يومي، بدون توقف، لعل ذلك يرفع من نسبة شعبيته في المجتمع.

من اِبتكر هذه النّكت؟

 

لماذا المعلم تحديدًا؟

لنعد إلى أسئلتنا من جديد، لماذا صار المعلم بالذات محل تنيكت، وليس المهندس أوالممرض أوالطبيب مثلا؟ ولماذا في السنوات الأخيرة فقط وليس قبلا؟ ولماذا مُدرس الابتدائي بالتّحديد وليس الأستاذ في الثانوية أوالجامعة مثلا؟

يعتقد البعض أن رفع أجور المعلمين التي تضاعفت، في السّنوات الأخيرة، يقابله مستوى تعليمي ضعيف، وحالات إضراب تكاد لا تنقطع، ويعتقد بعض المعلمين أن التنكيت عليهم ليس سوى محاولة انتقام منهم، لأنّ مبدعي النّكت أو بعضا منهم هم من فئات الإداريين والعمال المهنيين، في قطاع التّربية، الذين لم يستفيدوا من زيادات في الأجور. أضف إلى ذلك الموقف التّقليدي للتلاميذ المًعادي نسبيا لمدرسيهم، ولعلهم الفئة الأكثر ترويجًا للنّكت التي تتعرّض للمعلمين، وغالبًا ما يطلقون ألقابا ساخرة على معلميهم، أو على بعض منهم.

هناك من يقول أن مكمن الدّاء في المعلم نفسه، واللّوم يقع عليه بالدرجة الأولى، من خلال شكله ونمط عيشه، فقد اِرتبطت صورته في الأذهان دائما بكوستيم باهت اللّون، وبتقوقعه وانعزاله عن الناس، أومن خلال حديثه الذي لا يخرج عن موضوع التساؤل عن الزيادات في الأجور! ولغة كلامه التي يستخدم فيها الفصحى غالبا، هي ذهنية – يقول البعض – نتجت ربما من اِحتكاكه اليومي مع أطفال صغار.

ورغم المحاولات اليائسة للمعلمين لتصحيح الفكرة، وتحسين صورتهم في عقول الآخرين، ومن أهمها ترسيخ بيت أحمد شوقي الشهير في أذهان التلاميذ، وتحفيظهم له عن ظهر قلب مثل النشيد الوطني: «قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا»، لكن يبدو أن نهاية مسلسل التنكيت على شخصيتهم ليست قريبة!

الظّاهرة ليست بالأمر البسيط أو العادي، كما قد يعتقد البعض خطأ، باعتبار أن النكتة ثقافة شعبية وتراث محلي، تنبع من أعماق الشعب، يميل إليها في غياب أطر ومنابر تتيح له مساحة تعبير خارج خطوط المنع والتحريم، وبمفردات لغته السوقية، تبعده عن همومه واهتماماته، ورؤيته للمحيط وللأشياء من حوله، وهي بهذا المعنى تحتاج إلى أبحاث ودراسات سوسيولوجية و نفسية، لمعرفة كيف يفكّر المجتمع باطنًا وظاهرًا، وما هو مزاجه تجاه سياسة الدولة وتجاه القوى الحيّة في المجتمع، ولعلّ الأهم من ذلك كلّه، كيف ينظر المجتمع فعلاً لشخصية المُعلم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.