الخميس، 29 أكتوبر 2020

ماذا يريدون من آيت منقلات..؟

جدل كبير حول الفنان آيت منقلات

حرب، غير مُعلنة، على الفنّان الأمازيغي آيت منقلات لونيس، بسبب عدم وضوح موقفه من تظاهرة «قسنطينة، عاصمة الثّقافة العربية»، فبينما يقول محافظ الحدث أن المغني يرفض المشاركة فيه، من منطلق هويّاتي، تردّ وزيرة القطاع بالعكس، وبينهما يواجه آيت منقلات تحاملا من طرف وسائل إعلام، ذات ميول شوفينية ومُحافظة، هكذا، بعد أكثر من أربعين سنة من العطاء، يجد لونيس آيت منقلات نفسه اليوم متورطًا في جدل لا يعنيه، بشكل مباشر، وعرضة لمحاولات تشويه صورته.

 رومانسيات مُناضل حكيم

لونيس آيت منقلات أسهم في تطوير الأغنية الأمازيغية، واشتهر أيضاً بمواقفه النضالية والقومية. رافق الكاتب مولود معمري (1917-1989) في انتفاضة الرّبيع البربري (1980)، وتعرّض للسّجن عام 1985 بتهمة الانتماء للمعارضة. رفض لقب وسام جوقة الشّرف من وزارة الثقافة الفرنسية، كما اِمتنع عن مرافقة النّجم العالمي زين الدين زيدان في زيارته إلى الجزائر (2006): «أرفض استغلال نجومية الآخرين من أجل البروز في وسائل الإعلام». رغم شهرته الواسعة، يواصل لونيس العيش في قرية إيغيل بواماس الأمازيغية الهادئة، حيث ولد عام 1950. من قريته الواقعة في أعالي جبال جرجرة في تيزي وزو (جنوبي الجزائر العاصمة)، يواصل تأمل الحياة والتّطلع إلى الأفضل. يُطالع، يكتب، يهتم بشؤون العائلة ويتابع تطورات الأغنية القبائلية.

يفضّل أبناء القبائل تلقيب آيت منقلات بـ«الحكيم». يعيش هذا الفنان مختلف التحوّلات التي يعرفها البلد من الداخل، ويحاول الاستفادة من التجارب الفردية بغية بلورة رؤية تتقاطع مع تطلعات مواطنيه. كاتب ياسين الذي صاحبه، قال عنه ذات يوم: «آيت منقلات واحد من أهم الشّعراء..  إنّه الوحيد القادر على حشد الجموع، سواء كان يغني في الجزائر أو خارجها. جموع تثير رعب قوى الاضطهاد، ما سبّب له مشاكل كثيرة مع الشّرطة».

يقسّم المتخصصون في سيرة لونيس آيت منقلات مسيرته إلى مرحلتين. المرحلة الرّومانسية التي تمتدُّ من مطلع السّبعينيات إلى نهاية الثمانينيات وألّف خلالها أغاني قصيرة، ذات طابع عاطفي وإيقاع خفيف،  ثم المرحلة الفلسفية السياسية المستمرة حتى اليوم، والمتميزة بأغانٍ طويلة، مُلتزمة، وتحمل كمّاً من الرمزية.

تضمنت أغاني آيت منقلات، في السنوات الأخيرة، دعوة إلى التأمل، ورسائل للعودة إلى الذّات، إضافةً إلى مسحة من الحزن أكثر من التطلّع إلى الفرح والابتهاج، كما كانت عليه في سنوات ماضية.

المصادفة وحدها هي التي قادت الفنان الشّهير إلى عالم الغناء. يتذكّر البدايات: «في حدود السّابعة عشرة، كتبت كلمات أغنية، رغبة منّي في التّنفيس عن حالة شخصية. وفجأة وجدت نفسي في الإذاعة، ضمن برنامج مخصص للمواهب الشابة، من إعداد شيخ الأغنية القبائلية شريف خدام الذي شجّعني ومنحني ثقة في النّفس». شكّل شريف خدام السّند الأول والأهم الذي اعتمد عليه لونيس في البداية، مستفيداً في الوقت عينه من تنوع الثقافة البربرية الشفوية «من خلال توارث الأغاني والأشعار عن الجدات». كما أسهم في تشكيل وعيه ديوان الشاعر التروبادور سي محند أو محند (1840-1905) الذي يعدّ شاعر اللّغة القبائلية الأول.

الأغنية الأمازيغيّة انطلقت من المهجر كما هو معروف، وحملت خلال الخمسينيات نبرة قومية في الدّفاع عن قضية استقلال الجزائر إبان الحقبة الكولونيالية، لكنّ هذه الأغنية عانت طويلاً من قمع السلطة السياسية الأحاديّة، بسب انخراطها في مطلب جعل الأمازيغية لغةً وطنية. مطلب لم يتحقّق إلا عام 2001، بعدما دفع كثيرون ثمناً غالياً، وماتوا في المنفى على غرار سليمان عازم والشيخ الحسناوي، أو اغتيلوا خلال سنوات الإرهاب، مثل المغني معطوب الوناس (1956 ـــ 1998) الذي كان بعضهم يرى فيه غريماً لآيت منقلات.

آيت منقلات (اِسمه الحقيقي عبد النبي آيت منقلات) واحد من أكثر المغنّين حشداً للجماهير في حفلاته، سواء كانت في الجزائر أم في فرنسا. يمتلك الرجل قاعدة شعبية واسعة، ويسعى إلى الحفاظ عليها من خلال تجنب الوقوع في هفوات اللعبة السياسية والابتعاد عن الصراعات الدائرة. «ليس من باب الرياء، إن قلت إنني لست منخرطا في دعم أي توجه سياسي»، يؤكد. رغم ذلك، يلومه بعضهم على المشاركة في تجمع شعبي عام 1999، دعماً لحملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. لكنّه يبرر ذلك بكونه مجرد «فضول للاستماع إلى برنامج مرشح معين، لا رسالة دعم». موقف صححه لاحقاً بعدما رفض المشاركة في جولة فنية ذات أغراض سياسية (2004) لدعم حملة بوتفليقة الانتخابية  لعهدة رئاسية ثانية.

اليوم، يجد المغني نفسه، مجددًا، على ناصية المواجهة، يتحمل وزر أفكار مُسبقة عن شخصه، والأكيد أن قسنطينة التي أطربها قبلاً ستراه مجددًا، سواء كان ذلك في إطار عاصمة الثّقافة العربية، أو في إطار آخر.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.