الخميس، 27 فبراير 2020

الدخول إلى حدائق علا

علا

عندما زار الموسيقار العراقي وعازف العود الشّهير منير بشير (1930-1997) الجزائر، اِلتقى على هامش سهرة موسيقية، أقامها في الجزائر العاصمة، مجموعة من الصّحافيين، وهم في حالة اِنبهار، عقب اِستعراضه وصلات موسيقية، قدّمها وهو يعزف تقاسيم منفردة على آلة العود، تحدّثوا معه عن روّاد العود في العالم العربي، عن فريد الأطرش، عن السنباطي وعن محمد عبد الوهاب، وكانت المفاجأة عندما ردّ عليهم منير بشير مُتعجّبا: «ولكن لديكم في الجزائر عازف عود استثنائي!»، مُضيفًا: «عزفه يتجاوز جميع الطّبوع المعروفة في الموسيقى العربية»، خيّـم صمت على المكان، غمرت الصّحافيين الدّهشة، ربما تساءلوا: «من يكون هذا الفنان الجزائري الذي استرعى إعجاب موسيقار كبير؟» ليكتشفوا في آخر المطاف، أن الأمر يتعلق بفنان من مدينة بشار، جنوبي الجزائر، يُدعى «عَلاّ».

قصّة اِعتراف

عازف الحيّ لا يطرب، لعلّ القول المأثور يصدق حقا على علاّ، الفنان الذي طاله التّهميش في بلده، الفنان الذي تم تجاهله عن سبق إصرار ردحًا من الزّمن، قبل أن يكتشف القائمون على الشّأن الثقافي آنذاك، بعد فوات الآوان، قيمته الفنية. مسوّغات الإقصاء من وجهة نظرهم، وحسب تفكيرهم ورؤيتهم للثقافة التي يريدونها، تتمثل في أنه فنان غير منضبط، عصيّ على التدجين، لا يخضع لقواعد الفنّ في التّعامل مع الرسميات، شأنه شأن بعض شيوخ الرّاي الذين طالهم المنع هم أيضا. يزعمون تجنيّا، أنه يعيش من حفلات مشبوهة، يشجّع بموسيقاه الهادئة جدًّا على تعاطي أشياء محظورة وسط الفئات الشبانية.

«لو وُلد علاّ ألمانيًا، لكان جالسًا في صف بيتهوفن، لو وُلد علاّ نمساويا لكان إلى جانب موزار، لو وُلد علاّ روسيًا لكان إلى جانب تشايكوفسكي، لو وُلد مصريا لكان إلى جانب محمد عبد الوهاب.. ولكن علاّ وُلد بشاريًّا، فوجد نفسه إلى جانب النّسيان والتمويت غير المباشر» هكذا تحدث عنه الرّوائي أمين الزاوي، مُتحسّرا على واقع ثقافي وفني بائس، لا مكان فيه للفنّ النّابع من أعماق أصالتنا، ولا مكان فيه للقادم من عمق الجزائر، إلى أن يثبت العكس. والمُفارقة أن هذا الفنان الذي كان مرفوضا ثقافيا عندنا في الجزائر لسبب أو لآخر، باتت تتبناه أعلى هيئة ثقافية في العالم، وأصبح يمثلها باقتدار في فرنسا وفي مختلف المحافل الفنية الدّولية.

نهاية الثمانينات، اِكتشف التّلفزيون الرّسمي موسيقى علاّ، وسرعان ما بدأ يبثّ من حين لآخر، بعضًا من تقاسيمه على العود، قبل نشرة الأخبار الرئيسية(الثّامنة مساء)، مرفقة بصور من الجنوب، لملء فراغ كانت تحدثه في كثير من الأحيان، عملية سوء البرمجة، وتفاجأ التلفزيون الجزائري بإقبال شديد من المشاهد للاستماع والاستمتاع بموسيقى مختلفة، أصيلة، جديدة، تخترق بألحانها الشجية شغاف القلب، وبعد إلحاح من المشاهدين، ورضوخا للأمر الواقع، بدأ التلفزيون الرّسمي يبثّ، بشكل يومي تقريبا، وصلات موسيقية لصاحب موسيقى «الفوندو»(نسبة إلى عنوان ألبومه الأول، 1992). حينها بدأ الجزائريون عبر باقي مناطق الوطن، يتعرّفون على هذا الفنان، ويتذوّقون فنّه، بعد أن كان معروفاً فقط في منطقة الجنوب الغربي، في بشار، أدرار، المشرية وعين الصفراء، من خلال دعوته لأحياء حفلات الأعراس، التي كانت على ندرتها، مورد رزقه الوحيد آنذاك، وفضاء مواتيًّا لارتجال مقطوعاته الموسيقية.

يضع أذنه على العود كمحبّ

الموسيقى كهواية

ولد عبد الله عبد العزيز المشهور بـ«علاّ» يوم 15جوان 1946، بمدينة بشار، كان آخر العنقود ضمن عائلة فقيرة تتكوّن من 12 فردًا، غادر مقاعد الدّراسة وعمره لا يتجاوز خمس عشرة سنة، كان شابًا خجولا، ميّالا إلى العزلة، عثر في الموسيقى على ضالته، ووجد فيها أنيسا لوحدته، هكذا صنع لنفسه أول آلة موسيقية تشبه العود، من بقايا لوح وقطع حديدية، وصار يردّد على أقرانه في الحيّ أغان معروفة من التراث الشّعبي الملحون.

ولمساعدة عائلته الفقيرة، اِشتغل وهو لا يزال يافعًا، في مهن مضنية، لتوفير دخل مالي، كان يقضي اليوم كله في العمل، ليعود مُرهقا إلى المنزل العائلي، وهاجسه المركزي إلى جانب مساعدة والده على واجبات العيش، شراء آلة عود. سنوات بعد ذلك، تمكّن من تحقيق أمنيته، وسرعان ما تدرّجت شهرته، شيئا فشيئا، من الحيّ، إلى المدينة، إلى منطقة الجنوب الغربي من البلاد، وصار علاّ مع مرور الوقت، مطلوبًا في الأعراس المحلية، وهي شهرة على عكس ما قد يعتقد البعض، لم يستفد منها لاماديًا ولامعنويًا، وكان من الممكن أن يتوقّف في أية لحظة عن اِشتغاله بالموسيقى، كما فعل الكثير من أصدقائه، ولكن شغفه بالفن وإخلاصه له، دفعه إلى البحث عن بديل يتيح له تطوير منجزه الموسيقي، أمام ما تعرّض له من تهميش وإقصاء، وكانت الهجرة بالنسبة إليه هي السّبيل الوحيد لتجسيد طموحه، وتحقيق اِعتراف بفنه.

اِنتقل ابن بشار إلى فرنسا عام 1992، ولا يزال يقيم فيها إلى يومنا هذا، ولم يعد مرة أخرى إلى الجزائر، ولا إلى بشار مسقط رأسه، ورغم إلحاح أقارب وأصدقاء له في مدينة بشار، لكنه لسبب أو لآخر يرفض العودة. وقد أصدر لحد الآن، مجموعة من الألبومات الموسيقية: فوندو(1992)، تاغيت(1994)، تنقـّل(1996) وزهرة(2002).

علاّ في بيروت

عام 2006، أقام الفنان علاّ حفلا موسيقيا ناجحا، في بيروت، وحضر الحفل نخبة من رجال الفنّ والثقافة في لبنان، كان من بينهم الشّاعر والإعلامي فادي العبد الله، الذي كتب يومها في جريدة النّهار اللّبنانية، مقالاً متميزًا، تحت عنوان «علاّ العود السائح والدليل»، تحدّث في مستهله عن شخصية علاّ في عزلته الباريسية، وعن تأثير بشار وفضاء الصحراء في اختياراته الفنية والحياتية: «في مناسبة نادرة خرج عازف العود الجزائري الخلاّق عَلاّ من عزلته الباريسية ليقدم في مدينة النور أمسيةً اِرتجالية. عزلة عَلاّ الأسطورية، منذ تركه الجزائر في مطلع التّسعينات وغيابه المتواصل عن وطنه الأم، تضاف إلى الحكايات الكثيرة الأشبه بالأساطير التي تروى عنه في بشار جنوب الجزائر قرب الصحراء التي يقول، إنه يحملها في قلبه. من هذه الصحراء ورث علاّ صفاءً غريباً ونقاءً وتواضعاً جماً، لا تنفصل عن موسيقاه بل تشكل نسغها الأعمق» كتب.

ثم تحدّث العبد الله عن طريقة علا المتفرّدة غير المألوفة في الإلقاء وفي التّعبير الموسيقي: «يجلس علاّ على وسادة صغيرة قريبة من الأرض ثم يحني رأسه ويضع أذنه على العود كمحبّ يسمع قلب حبيبة نائمة. من هنا يبدأ رحلته التي لا ينتهي فصلها الأول ثم الثاني إلا بوقوفه متألم الساق يعرج قليلاً، شأنه شأن المشايخ في القرن التاسع عشر، وما قبله، حين كانوا يجتمعون في حلقات ويمسكون الإيقاع على أفخاذهم. لا يستعرض علاّ عضلاته في التقنية والسرعة وإن كان يمتلك منهما نصيبه حين يحتاج. لكنه ساحر الإحساس للمتلقي وللعازفين أيضاً. له ضربة ريشة لا تخطئها الأذن، وخصوصاً حين يخطف النوتات المتتالية بالأصابع وبضربات ريشة قليلة. كما أن الأنغام التي يهواها والخالية غالباً من أرباع الصوت – وإن زارها أحياناً بخفة نادراً ما تعرفها وتأثراته بالموسيقى الأوروبية والبلوز والغيتار غير الإسباني، تضفي على تناوله المقامي وأبعاده ومفردات جمله نداوة غير مألوفة في موسيقانا. علاّ الكهل، من القلائل القادرين في أيامنا على تقديم أمسية ارتجالية بالكامل، سرّه الحقيقي في ذلك يتبدى منذ قعوده. فهو يتبع نداء العود ولا يفرض عليه هيكلاً واعياً سابقاً على اللحظة. ينصت إلى صوت العود، عوده الخارق الذي صنعه بنفسه والغني بأصوات و«هارمونيك» لا تنضب، ويسري معه بحثاً عن قبس صوت يلوح في بعيد الظن أوالوهم». ليعترف الشّاعر فادي العبد الله في آخر المقال بأن :«أمسيّة علاّ حدث حقيقي يهزّ المنصت، ويحمله إلى سكينته الخاصة، أو إلى قلقه مروّضاً، لكنه بلا اِستعراض أو إبهار. حدث هادئ يعصف بالنفس دون أن يلوح أن ثمة أمراً فيها تزحزح من مطرحه. الحدث دائماً سابق على الانتظار».

علاّ الهادئ، المُلتزم في حضرة الصّمت، لم ينبس كعادته ببنت شفة في تلك السّهرة، كعادة جميع سهراته، كلمة واحدة قالها بالفرنسية، ثم اِنصرف، عبـّر عنها الشاعر اللبناني قائلا: «لافتة ودقيقة جداً هي الكلمة الوحيدة التي تلفظ بها علاّ في الأمسية، في ختامها تحديداً، بعد إيابه من تجواله في ثنايا الروح، قال بالفرنسية: voilà!».

غربة إلى أجلٍ غير مسمى!

محمد زاوي وعلاّ
محمد زاوي وعلاّ

السّينمائي والإعلامي المخضرم محمد زاوي، اِلتقى، من فترة ليست بعيدة، الفنان علا، وتعرّف عليه عن قرب، ويحكي: «من المستحيل أن يفوز أي صحافي بمقابلة مع الموسيقار علا، مهما كانت علاقة هذا الصحافي بعلا، الرّجل البسيط، العادي والخاص جدًا في آن، وأنا من بين هؤلاء الصّحافيين الذين حاولوا في البداية، لكن يبدو أن الأمر ليس بالسّهل عليه، مما جعلني أنسى فكرة المقابلة، مُحتفظًا بصداقة مع الفنان، نلتقي بين الحين والآخر»، ويضيف زاوي: « لقد كان، ولحدّ اليوم يرفض أي مقابلة أو أي إدلاء بتصريح صحافي، باستثناء تسجيل معه منذ سنوات، سجّل لي مقطعا  تكريميا لفيلم أحضره حول صديقه المغني الترقي عثمان بالي، الذي رحل عام 2005 في فيضان بوادي جانيت، في الصحراء الجزائرية، وقد تألّم علا حينها كثيرًا لرحيله»، ويعود المتحدّث نفسه إلى علاقته بالفنان: «في السّنوات الأولى التي عرفته فيها كان علا مُهتما كثيرا بتكنولوجيا الحاسوب، وقد كان يُصلح الأقراص المعطوبة، وليس من الغريب أن يتعلم علا ذلك، فهو في الأصل تقني في الكهرباء، ومثلما صنع آلته الموسيقية الوترية بالأسلاك  في صغره ، بإمكان الرّجل أن يؤسس أنظمة إليكترونية. كثيرًا ما  أصادف علا أمام مدخل بيته، بالقرب من  حيّ بارباس Barbès، في باريس. وعلا لا يذهب إلى أحياء أخرى إلا عند الحاجة القصوى، فللإنسان علا إرتباط قويّ بهذا الحي العربي الإفريقي الذي يسكنه، والذي يجد فيه العطور والرّوائح التي فقدها منذ سنوات، وله علاقات قوية، ويتألّم كثيرًا لحال الشّبان الجزائريين اللذين هجروا بلدهم، بطريقة غير شرعية، ليجدوا أنفسهم باعة سجائر في محطة ميترو بارباس».

ويواصل محمد زاوي شهادته: «إن هذا الألم يُضاف للألم الكبير الذي يعيشه علا، وكيان ألم علا لا يمكن تحديده بسهولة، فهو مُعقد جدا،  قد يكون الوضع العام الذي عاشته الجزائر في التسعينات ورحيل الكثير من أصدقائه الفنانيين والاغتيالات الجماعية سببًا، ثم الوضع في الآراضي الفلسطينية المحتلة، وفي غزة، فحينما عاشت غزة  العدوان الإسرائيلي الأخير، كان متأثرا كثيرا بما يحصل، لكن ألمه أيضا ربما يأتي من هذه الهجرة التي تدوم الآن أكثر من 20 عاما، لم يعد فيها علا المواطن الجزائري إلى عائلته  وبلده.. فقد خرج من  الجزائر وبقى في باريس دون أن يكون مستعدًا لهذه الإقامة.  لقد  كانت الأوضاع سيئة آنذاك في الجزائر، وكان حينها المثقفون والفنانون يُغتالون. لقد مضى على وجود علا في فرنسا أكثر من عشرين عاما، وهو لا يدري متى يعود. فالرجل يقول لك «حينما تكتب»، فهو يؤمن كثيرا بالمكتوب. علا الآن  يرفض كلّ دعوة رسمية لإقامة أيّ حفل في قاعة حفلات، لكنك لو وجهت له دعوة باسمك الشّخصي، وكان يعرفك، للاحتفاء في البيت مع أصدقاء لك، فإنه لن يتردّد في تلبية دعوتك، وهذا من سخاء رجل الصّحراء».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.