الخميس، 17 أكتوبر 2019

قيء الشروق

الشروق في مسرحية سياسية هزلية

فضائية الشروق لا تتوقف عن مفاجأة مشاهديها بمسرحيات سياسيّة هزلية، مسرحيات تكتب نصّها وتخرجها بمقاسات مُحترمة، تخدع بسهولة عقل المشاهد، فهي تحاول، قدر المستطاع، أن تساهم في صناعة الحدث بالتّحايل على التّاريخ الحديث للبلد، تضيف ماشاءت من الفقرات إليه، وتمحو أخرى، وأخيرًا وجدت في شخصية مدني مزراق(55 سنة)، أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ سابقًا، قالبًا مناسبا للضّحك على ذقون المتابعين، وإعادة قراءة سنوات العشرية السّوداء، بكثير من الرّومانسية والسّخرية من أرواح آلاف الضّحايا وعائلات المفقودين.

مدني مزراق، الذي ركب موجة «المصالحة الوطنية»، بداية الألفية الجديدة، ووجد فيها سببا للتصالح مع نفسه، ومع ماضيه، ظهر في برنامج جديد، على الشروق، يحمل عنوان «المحكمة»، كما لو أنه مسيح محلي، أُرسل من أرض بعيدة، ليُطهّر الجزائريين من خطاياهم، تحدّث على لسانهم كما لو أنه وليّ أمرهم، واجه الكاميرا وبصق على التّاريخ، مُعتقدًا أن المجتمعات التي عاشت الأزمات، ليس سوى مجتمعات مهيأة للتناسي والتّغاضي، والتّسامح مع جلاديها، بدون عقاب.

مدني مزراق، صاحب الماضي الموشوم بكثير من علامات الاستفهام، حيث يُُقال أنه عاش، بداية الثّمانينيات، في ليبيا، ذهب إليها بعدما فشل في اِجتياز اِمتحان شهادة البكالوريا، واِنخرط في جيش القذافي، الذي كان مُشكلا من كتائب من المرتزقة، وهي تهمة ينفيها عن نفسه، ظهر في برنامج «المحكمة» وهو يرفع صوته كالعادة، ويردّ على أسئلة صحافية شابّة بمنطق «صوتي يعلو على صوتك، والحقّ معي وليس معك»، ظهر كالعادة نافيًا كل ما يُنساب إليه من اِتهامات بقتل أبرياء، وأبناء الشّعب البسيط، بكلام فضفاض، وبصرخات متقطعة، ملقيًا كل ما حصل سنوات التسعينيات خلف ظهره، ومصطنعا شخصية لا تليق به، حاول أن يقول ويردّد بأنه بريء، لكنه عجز عن إقناع من يقرأ التّاريخ ويتمعن فيه.

منتصف التّسعينيات، من القرن الماضي، كان مدني مرزاق واحدا من الأسماء الإرهابية المطلوبة من طرف العدالة، ووضعت السّلطات الرّسمية مبلغ 4,5 مليون دينار لمن ينجح في القبض عليه، كان هذا الرّجل يتصدر أسماء المطلوبين، واليوم، بعد كرّ وفرّ صار نجمًا تلفزيونيًا، يُستضاف في فضائية تحظى بمشاهدة واسعة، وتتحايل مثله على العقول و على التّاريخ، ففي لحظة صادمة للمتفرج، لم ير مزراق حرجا من الإقرار بأنه قتل، بيديه الإثنتين، أزهق روحًا. قالها، ثم بعد بضع لحظات، غيّر الموضوع واِبتسم، تحدّث عن القتل، واِبتسم، وكأن شيئا لم يحصل، وفي الجهة المقابلة، صحافية شابة، بدت ردود فعلها غير مفهومة، وكأنها غير معنية بتتبع سيل الكلمات التي كان يتلفظ بها، وما كان يهمها، بالدرجة الأولى، فقط هو أن تكمل ورقة الأسئلة التي طلب منها أن تطرحها على الضّيف/ الأمير.

هكذا إذًا قدمت فضائية الشروق، سهرة الأربعاء (25 مارس)، مسرحية هزلية، على ركح التّاريخ، قدمت رجلا يعترف بمجازره، ولا يخشى لومة لائم، واِبتسمت له وتقيأت على المشاهدين، واعدة أياهم بتتمة لنكتها السمجة ذاتها قريبًا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.