الخميس، 27 فبراير 2020

الجسد الجزائري الموشوم

الوشم الجزائري

بداية التّسعينيات، من القرن الماضي، إبّان المدّ الأصولي الكاسح في البلد، اِكتشف بعض الشباب الجزائري المتحمس لرصّ صفوف الجماعات المقبلة على قيادة البلاد نحو حتفها، خاصة أولئك الذين كانوا يحملون على أجسادهم بقايا وشم، فرضته أيام طيش في مرحلة المراهقة، اِكتشفوا أن قبول عضويتهم في الجماعة، مرتبط بمحو أثار الوشم، والذي فضلاً على تحريمه بصحيح الدّين، بات يسيء برمزيته المشبوهة إلى الأخلاق وإلى الدعوة الدّينية، وسرعان ما صار حامله، ومع مرور الوقت، وبعد أن رضخ الناس إلى الأمر الواقع في جواز تحريمه، صار مثار شبهات، وأصبح الشخص ذاته مدانًا، ومطعونا في سيرته، يرى البعض فيه بالضرورة خريج سجون، أو محترف سرقة، وهلم جرًا من الأوصاف والكليشيهات الجاهزة، أعرف أحدهم، فكّر يومًا في بتر ذراعه، بعد أن استنفد دون جدوى، كافة الإمكانيات والوسائل التي تساعده على إزالة أثار وشم من ذراعه، الذي نُقش فيه بالأزرق الحرفين الأولين لاسم حبيبته، أو ما يوحي إلى ذلك، إلى جانب رسم يشير إلى قلب يخترقه سهم، تمامًا مثلما سارع متحمّس آخر إلى الهيئة القضائية، في سعيه لمحاولة تغيير اِسم اِبنه، الذي كان يطلق عليه اِسم: فريد، أسماه هكذا إعجابا بفريد الأطرش، في زمن الجهل – حسب وصفه –، عندما كان يستمع ورفاقه بهوس إلى أغانيه الجميلة، وذلك قبل أن تلقي ما يسمى بالصّحوة الإسلامية بظلالها الكثيفة على سلوكات وممارسات وعادات وتقاليد وتفكير الكثير من الجزائريين.

عندما شاهدت الشّيخة الريميتي(1923-2006) عبر شاشات التلفزيونات الفرنسية، وهي تغني في باريس وفي عواصم المدن الأوروبية المختلفة، وحريصة على اِرتداء فستانها النّسائي الأصيل، حريصة على وضع الحنّاء على يديها، كاشفة بفخر الوشم المرسوم على يديها ومعصمها، اِكتشفت فيها ملامح نساء القرية، نساء الدّوار، نساء الدّشرة، نساء الرّيف الجزائري، كانت تجسّدهن حضورًا عبر مكان آخر، مكان اِختزل المسافات والزّمن، لم تستطع لا زكية محمد، ولا فلة، ولا حتى وردة، ولا فنّانات أخريات، تمثيل المرأة الجزائرية الأصيلة، المُفتقدة عبر ماضي الزّمن المتغيّر في اتجاه محو الذاكرة، أو عبر تواجدها الآن في الرّيف، حيث يصمت الضجيج، وتخفت أضواء المدينة، وقد فسح لها امتداد الأفق، حرية أكبر في التنقل، ومساحة أكبر في الاختيار، في سعيها بعيدا عن اِكراهات التّطرف، وتجنّي الحداثة، إلى معانقة تراث بات قاب قوسين أو أدنى من التلاشي والاندثار. ولعلها الشيخة الريميتي التي ألهمت الطاهر الغمري، بطل رواية التفكك لرشيد بوجدرة، سرّ تعلقه بأشياء الحياة وهو يردّد كلازمة، أغنيتها في مديح الوشم.

وشم بالحناء

وأمام عودة الوشم في السّنوات الأخيرة، بزخم العولمة الكاسح بإغراءاته وأضواءه، من خلال نجوم الرّياضة والفن والمشاهير، من قبيل دافيد بيكهام، وإبراهيموفيتش وسامانتا كاميرون، والفنانة العالمية أنجلينا جولي، التي لا يكاد الوشم يفارق جسدها الرهيف، والذي سرعان ما يتحوّل إلى صفحة بيضاء، تحفر فيه بالوشم كتابات وأدعية بوذية، وأماكن ميلاد أبنائها بالتبني. وبطبيعة الحال اِقتفى أثر هؤلاء النجوم تقليدا، عدد من الفنانين العرب، على رأسهم الفنانة المثيرة للجدل هيفاء وهبي، ومن نجوم الرّياضة اللاعب الجزائري الدولي الجزائري كارل مجاني، وحارس المرمى رايس مبولحي. وهكذا لم يجد الشباب الجزائري بدًّا من الاعتراف بالوضع القائم للأشياء، ثم سرعان ما فكّـروا في ضرورة التكيّف مع هذا الوضع، حرصًا منهم على تجنّب الصدام بالديني، والسّمعة السّيئة التي باتت عليها كلمة الوشم، اهتدوا إلى التفكير في تغيير الكلمة من الوشم إلى كلمة تاتو، وتبنى بعض منهم التسمية باللّغة الفرنسية: تاتواج Tatouage.

ومن جانب آخر وأمام هكذا حصار، ومحاولة منها لتجاوز تبعات السّمعة السيّئة للوشم، اهتدت المرأة الجزائرية، التي كانت تلجأ إلى الوشم كزينة وتجميل، وكتعويذة أيضا، إلى اِستخدام الحناء – التي لم تطلها لحسن الحظّ فتاوى التّحريم – بوصفها بديلا حقيقيّا للوشم، من خلال التفنّن في رشّ مادتها على الأيدي والأقدام، وأماكن أخرى في الجسد، مع الإبقاء على الأشكال نفسها والرّموز ذاتها، ماعدا اللون، الذي تغيّر من الأزرق إلى الأحمر، وما عدا الاسم الذي تغيّر من وشم إلى حناء.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

إذا الموءودة سئلت.. المرء يتحمل مسؤولية أفعاله

عائشة بلعابيد سورة التّكوير وعدد آياتها 29 تبدو صغيرة ومهملة بين باقي السوّر الطوال. أول …

لهذه الأسباب اندلعت ثورة 22 فيفري السّلمية

لهذه الأسباب اندلعت ثورة 22 فيفري السّلمية

د. لطيفة لونيسي، جامعة عنّابة شكّل حراك الشّارع الجزائري نقلة نوعية في الوعي السياسي لدى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.